
في العراق، لم يعد السؤال عن قوة الدولة يُقاس بعدد ما تملكه من مؤسسات، بل بقدرتها على حمايتها في لحظة الاختبار، وفرض القانون حين يصبح تطبيقه مكلفا، فبين استهداف مكتب رئيس حكومة إقليم كردستان، وما أُثير من معلومات بشأن استهداف رئيس مجلس القضاء الأعلى، وتهديدات تطلقها فصائل مسلحة مع اقتراب موعد حصر السلاح بيد الدولة، تبدو الصورة أكثر تعقيدا من مجرد أزمة أمنية عابرة.
الدولة العراقية، التي تنازع بين جمع السلاح تحت مظلتها والملف الاقتصادي الأكثر صعوبة، وحملة ملاحقة الفاسدين، مطالبة في الوقت نفسه بأن تستعيد ثقة المواطن بقضائها ومؤسساتها الأمنية والعسكرية، وأن تفتح ملفات الفساد من دون أن تتوقف عند حدود النفوذ السياسي وتأثير السلاح. وهنا يبرز السؤال الأكثر إيلاما: كيف يمكن لحكومة أن تفرض على الجميع احترام القانون، في ضوء هذا الاشتباك الذي تخوضه للمرة الأولى بهذه الصورة من الجدية.
ويرى مراقبون أن المناصب تدار بين القوى والكتل ذاتها، وتعود الوجوه نفسها إلى مواقع ارتبطت بسنوات من الجدل والاتهامات والملفات الثقيلة، فربما لم يعد ملفا حصر السلاح ومكافحة الفساد مسارين منفصلين، فكلاهما في جوهره معركة واحدة: من يملك القرار في العراق؟ الدولة أم مراكز النفوذ؟.
خطوة قصيرة
الاثنين الماضي، نفذ جهاز مكافحة الإرهاب، عملية مداهمة في محافظة ذي قار أسفرت عن اعتقال عباس حسين اليعقوبي، القيادي البارز ومسؤول وحدة الاستطلاع في حركة النجباء.
لكن بعد ساعات أعلن مدير المديرية العامة للإعلام في هيئة الحشد الشعبي، مهند العقابي، تسليم مسؤول استخبارات حزام بغداد إلى مديرية أمن الحشد لمتابعة إجراءاته القانونية مع القضاء.
تهديد بالبيانات
المسؤول الأمني لكتائب حزب الله العراقي “أبو مجاهد العساف” هاجم رئيس الوزراء على الزيدي، متهما إياه بممارسة أفعال استفزازية وغير مسؤولة.
وقال العساف إن “صبرنا بدأ ينفد تجاه الأفعال الاستفزازية وغير المسؤولة لرئيس الحكومة”، مشيرا إلى أنه صبر لأكثر من مئة يوم على ما وصفها بـ”العنتريات الفارغة” لرئيس الحكومة.
وأكد أن شروطه لأي مقاربة مع أي حكومة بشأن السلاح تتمثل في خروج القوات الأمريكية، إضافة إلى إخراج القوات التركية من شمال العراق وحل قوات البيشمركة، منتقدا ما أسماه ارتباطها المشبوه مع العدو الصهيوأمريكي.
مشهد مقلق
يعتقد المحلل السياسي، رافد العطواني، أن “ملف حصر السلاح يقف اليوم بين حكومة عراقية جادة في المضي نحو حصر السلاح بيد الدولة، وفصائل مسلحة تجري معها حوارات وتطرح اشتراطات، في محاولة من بعض القيادات السياسية لنزع فتيل الأزمة ومنع الوصول إلى الصدام”.
ويقول العطواني في حديثه لـ”طريق 24″ إن “المشهد الأمني والسياسي بات مقلقا للشارع العراقي، خصوصا مع تصاعد الاستهدافات والتهديدات، واقتراب المواعيد المحددة لتسليم السلاح، ما يجعل العراق أمام مرحلة حساسة قد يتحول فيها أي احتكاك أمني إلى تصعيد أوسع”.
ويرى أن “الحلول العراقية والهادئة تبقى الخيار الأفضل، من خلال تسليم الفصائل أسلحتها إلى الحكومة، مع إمكانية إيجاد ترتيبات خاصة للأسلحة الثقيلة تضمن وضعها تحت إشراف الدولة، بما يحقق هدف حصر السلاح من دون الدخول في مواجهة مسلحة”.
ويحذر العطواني من أن “خيار المواجهة، ولا سيما إذا تحولت الأزمة إلى تدخلات خارجية، قد يضع العراق أمام تداعيات خطيرة تشمل العقوبات والعزلة الدولية”، لافتاً إلى أن “الحلول الناعمة ما زالت الأقرب إلى تجنيب البلاد منزلقا أمنيا وسياسيا يصعب احتواؤه”.
حلول هادئة
ويضيف،أن “المرحلة المقبلة قد تشهد عقوبات أو ضغوطا دولية إذا تحولت أزمة حصر السلاح إلى مواجهة”، مشيرا إلى أن “الحلول العراقية والهادئة تبقى الأقرب إلى التنفيذ، فيما ستكون الخيارات العنيفة، خصوصا إذا جاءت من خارج العراق، الأكثر خطورة، وقد تقود البلاد إلى انتكاسة تاريخية ومنعطف أمني وسياسي كبير”.
ويرى العطواني أن “ملف حصر السلاح ومكافحة الفساد يمثلان متلازمتين، إذ إن معالجة أي ملف اقتصادي أو إداري غالبا ما تبرز أمامها تحديات مرتبطة بالملف الأمني والسياسي”، لافتا إلى أن “تدوير بعض المناصب قد يكون جزءا من هذه المعالجة، من خلال إعادة ترتيب موازين القوى داخل المؤسسات، وفصل بعض العناصر عن مراكز النفوذ والقيادات السياسية، بما يخفف الضغوط على الحكومة ويمنحها مساحة أكبر لتنفيذ برنامجها الإداري والأمني”.
ويضيف أن “التغييرات في بعض المناصب الحكومية ترتبط أيضا بإعادة توزيع النفوذ بين القوى السياسية، خصوصا في ظل حصول بعض الأحزاب والشخصيات على مواقع مؤثرة، الأمر الذي انعكس على المفاوضات والتفاهمات السياسية وأثر في استكمال بعض الاستحقاقات الحكومية”.
ويخلص العطواني إلى أن “هذه الإجراءات قد تمثل اتجاها نحو حلول غير متشنجة، هدفها تخفيف الاحتقان وإدارة ملف السلاح والمناصب الأمنية والإدارية بعيدا عن المواجهة”.، مشيراً إلى أن “المرحلة المقبلة تتطلب حلولاً عراقية هادئة لتجنب الاصطدام وتداعياته الخطيرة على البلاد”.
صراع الدولة مع اللا دولة
يقول المحلل السياسي نزار حيدر إن “العراق يقف اليوم أمام تناقض واضح بين مشروعين: مشروع بناء الدولة ومشروع اللادولة”، معتبرا أن “الفصائل المسلحة لا تتبنى، مشروع الدولة، وتسعى إلى إرباك أي محاولة جادة لترسيخ مؤسساتها وفرض القانون”.
ويرى حيدر في حديثه لـ”طريق 24″ أن “الدعوات القضائية والسياسية إلى حصر السلاح بيد الدولة تتعارض بشكل مباشر مع مصالح الفصائل المسلحة، الأمر الذي يفسر، تصاعد التهديدات والمواقف الرافضة لهذا المسار”.
وينوه إلى أن “العراق يقف أمام مفترق طرق، في ظل صراع عميق بين مشروعين متناقضين”، داعيا العراقيين إلى “دعم مؤسسات الدولة والحكومة والقضاء، باعتبار أن المرحلة الحالية تمثل فرصة لإعادة تثبيت هيبة الدولة وإنفاذ الدستور”.
ويحذر حيدر من أن “انتصار مشروع اللادولة سيقود العراق إلى مرحلة شديدة الخطورة، فيما يمكن لترسيخ مشروع الدولة أن يمهد لبناء دولة دستورية ديمقراطية تقوم على المؤسسات والتعددية السياسية، وفقاً لما نص عليه الدستور العراقي”.
وفي ملف مكافحة الفساد، يؤكد حيدر “وجود ترابط وثيق بين الفساد والسلاح خارج إطار الدولة”، موضحا أن “كل واحد منهما يوفر بيئة لاستمرار الآخر؛ فالسلاح خارج سلطة الدولة يمكن أن يوفر الحماية للفساد، بينما يسهم الفساد في إضعاف مؤسسات الدولة وإبقاء السلاح خارج سيطرتها”.
وتابع أن “حصر السلاح ومكافحة الفساد يمثلان مسارين متلازمين، وأن معالجة أحدهما بمعزل عن الآخر لن تكون كافية، لأن بناء دولة قوية يتطلب في الوقت نفسه احتكار الدولة للسلاح ومواجهة الفساد داخل مؤسساتها”.



