
مئة يوم مرت على تشكيل حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي، وسط تقييمات متباينة لأدائها، بين منصات رسمية وقوى سياسية ترى أن الحكومة حققت خطوات أولى في ملفات مكافحة الفساد، وتحريك الاقتصاد والانفتاح الخارجي، وبين أصوات منتقدة تقول إن هذه المدة لم تشهد حلولا بمستوى الأزمات التي يواجهها العراق، ولا سيما في الملفين الاقتصادي والمالي.
الحكومة، ومن خلال خطابها الرسمي وما يطرح على لسان داعميها، تقدم المئة يوم الأولى بوصفها مرحلة تأسيسية لمسار إصلاحي، مستندة إلى إجراءات في مكافحة الفساد، ورفع مستوى الانفتاح الاقتصادي والاستثماري، إلى جانب اتفاقيات ومذكرات تفاهم مع شركات عالمية في قطاعات الطاقة والكهرباء والنفط والغاز.
وفي هذا السياق، يرى النائب غيث شبع أن حكومة الزيدي تمكنت خلال المئة يوم الأولى من تحقيق خطوات مهمة، خصوصا في مكافحة الفساد وتحريك عجلة التنمية الاقتصادية وتعزيز الانفتاح الخارجي، معتبرا أن ما تحقق يمثل بداية لمسار إصلاحي يحتاج إلى الاستمرار والبناء عليه.
ويضع شبع ملف حماية المال العام في مقدمة ما يصفها بالخطوات المهمة، مشيرا إلى أن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تقتصر على محاسبة المتورطين، بل تشمل أيضاً معالجة الثغرات التي تسمح بحدوث التجاوزات.
أما في الجانب الاقتصادي، فيرى أن الاتفاقيات ومذكرات التفاهم مع الشركات العالمية يمكن أن تفتح الباب أمام جذب الاستثمارات والخبرات، شرط أن تتحول من أوراق واتفاقيات إلى مشاريع حقيقية توفر فرص العمل، وتدعم الاقتصاد، وتقلل من الاعتماد على الإيرادات النفطية.
لكن هذه الصورة الإيجابية لا تحظى بإجماع، إذ يضع المنتقدون الحكومة أمام أسئلة مختلفة تماماً، أبرزها: أين المشروع الاقتصادي الذي يفترض أن يواجه الضغوط المالية المتزايدة؟
المحامي حبيب القريشي ينتقد أداء الحكومة خلال المئة يوم الأولى، معتبرا أنها لم تقدم، حتى الآن، حركة جريئة ومختلفة في الملف الاقتصادي والمالي، رغم أن الاقتصاد، بحسب رأيه، يمثل التحدي الأخطر الذي يواجه العراق.
ويقول القريشي إن الحكومة انتقلت من الحديث عن نقد الاشتراكية إلى طرح مبادرة توزيع مليون قطعة أرض، من دون ظهور مشروع اقتصادي متكامل قادر على معالجة أصل الأزمة، محذراً من أن العراق يواجه ضغوطاً مالية واقتصادية قد تصل إلى مستويات خطيرة.
ولا يقف النقد عند حدود غياب الحلول الاقتصادية، إذ يثير القريشي أيضاً تساؤلات بشأن الأسماء والأدوات التي تعتمدها الحكومة في إدارة الملف المالي والاستشاري، معتبرا أن استمرار الاعتماد على الأدوات ذاتها لا ينسجم مع الحاجة إلى تغيير حقيقي.
وبين هذين الموقفين، تأتي قراءة الأكاديمي والباحث في الشأن السياسي سيف السعدي، الذي يرى أن الحكم على حكومة الزيدي بعد مئة يوم ما زال بحاجة إلى وقت، لكنه في الوقت ذاته يشير إلى وجود معرقلات واضحة أمام تنفيذ المنهاج الوزاري الذي صوّت عليه مجلس النواب.
ويقول السعدي لـ”طريق 24″ إن حكومة الزيدي مضت خلال المئة يوم الأولى وسط شد وجذب، وبين محاولة تطبيق مقررات المنهاج الوزاري والمعوقات التي تقف أمام التنفيذ، مؤكداً أن التقييم، بعيداً عن المجاملات والعاطفة، يكشف عن وجود ملفات أساسية لم تحسم بعد.
ويحدد السعدي أبرز هذه المعوقات في تنفيذ مقررات المنهاج الوزاري، وحصر السلاح بيد الدولة، ومحاربة الفساد، مشيرا إلى أن رئيس مجلس الوزراء أعطى أولوية واضحة لملف حصر السلاح بيد الدولة، وهو ملف موجود أصلا ضمن المنهاج الوزاري الذي صوت عليه مجلس النواب.
ويرى أن إنهاء ظاهرة السلاح خارج إطار الدولة يمثل، من حيث المبدأ، إحدى الخطوات الأساسية لمحاربة الفساد، معتبرا أن وجود السلاح خارج مؤسسات الدولة يشكل عائقا أمام قدرة الدولة على فرض القانون ومحاسبة المتورطين، لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن الحكومة حددت سقفاً زمنياً واضحاً لهذا الملف يتمثل في الثلاثين من أيلول، وبحسب السعدي، فإن هذا الموعد سيكون اختبارا حقيقيا لحكومة الزيدي، لأن القضية لا تتعلق بمجرد إعلان موقف أو تحديد موعد، وإنما بمدى قدرة الحكومة على تنفيذ ما أعلنته على أرض الواقع.
وفي ملف مكافحة الفساد، يشير السعدي إلى أن الحكومة بدأت قبل الموعد المحدد لحسم ملف السلاح باتخاذ خطوات في مواجهة الفساد المالي والإداري والسياسي التي شهدت إجراءات بحق عدد من النواب ورفع الحصانة عن بعضهم، معتبرا أن ذلك يمثل سابقة لم تحصل بالشكل ذاته في حكومات سابقة.
لكن السعدي لا يرى أن هذه الإجراءات تكفي وحدها للحكم على نجاح الحكومة، مؤكدا أن إلقاء القبض على شخص هنا أو هناك لا يمكن أن يكون المعيار النهائي للتقييم، وأن الاختبار الحقيقي سيكون في القرارات الكبرى ومدى الالتزام بتنفيذها.
ويضع السعدي يوم الثلاثين من أيلول باعتباره محطة لإعادة التقييم، معتبرا أن هذا الموعد سيكون بمثابة اختبار لقدرة الدولة العراقية ومؤسساتها وإرادة الحكومة ومنصب القائد العام للقوات المسلحة على تنفيذ القرارات واحترام ما جاء في المنهاج الوزاري.
ويطرح السعدي سؤالاً أساسياً بشأن المرحلة المقبلة: هل ستكون قرارات الحكومة قوية في التنفيذ، أم ستكون قرارات قوية يقابلها ضعف في التنفيذ؟ ويرى أن الإجابة عن هذا السؤال لن تتضح قبل ما بعد الثلاثين من أيلول، حين يمكن قياس مدى قدرة حكومة الزيدي على تطبيق ما وعدت به.



