
في أحد أحياء سامراء، يمسك الخطاط قدسي مكي مجيد السامرائي قصبته ويغمسها بالحبر، مواصلا رحلة بدأت من دفتر مدرسي وامتدت لأكثر من أربعين عاما. وفي حوار موسع مع “طريق24″، يستعيد محطات تلك الرحلة، من شغف الطفولة وتقليد الحروف إلى الفوز بمسابقة محلية منحته الثقة للاستمرار، وصولا إلى تمسكه بفن يحتفظ بمكانه في حياته، مهما تغيرت أدوات الكتابة من حوله.
ينتمي السامرائي، المولود عام 1964، إلى عالم يحتاج فيه الحرف إلى صبر وعناية؛ استقامة الألف، وانحناءة النون، والمسافة التي تترك للكلمات مجالا للتنفس. وعلى الورق، يحمل معه شيئا من ذاكرة عراقية ألفت جمال الخط في دفاتر المدارس، ولافتات الأسواق، وواجهات المساجد، والآيات المعلقة في البيوت.
دفتر صغير يفتح الطريق
بدأت علاقة السامرائي بالخط منذ طفولته، حين كان يقلد الحروف التي يراها في دفاتره المدرسية، محاولا الاقتراب من أشكالها وضبط تفاصيلها. ومع الوقت، اتسعت مساحة ذلك الشغف، وأصبح تحسين الكتابة اهتماما رافقه خارج حدود الواجب المدرسي.
وفي سبعينيات القرن الماضي، جاءت محطة ما زالت حاضرة في ذاكرته. يقول السامرائي: “إن الدافع الأكبر وراء استمراري هو فوزي بالمركز الأول في مسابقة الخط العربي على مستوى سامراء في السبعينيات”.
كان الفوز المبكر اعترافا بموهبة تبحث عن طريقها، ودافعا لمواصلة التعلم. لكنه حين يتحدث عن أسباب استمراره، يمنح أسرته مكانة خاصة، قائلا: “ذلك الفوز منحني ثقة كبيرة وفتح أمامي الطريق للاستمرار لكن التشجيع الحقيقي جاء من أهلي وعائلتي فهم السبب الأول في نجاحي اليوم”.
من تلك البداية، مضى في مرافقة الحروف ومتابعة أشكالها، حتى أصبحت الكتابة بالقصبة والحبر ممارسة تمتد عبر عقود، وتتصل بتفاصيل حياته وذاكرته الشخصية.

لكل خط شخصيته
يمارس السامرائي أنواعا مختلفة من الخط العربي، بينها النسخ والرقعة والثلث، وهي خطوط تتباين في بنائها ووظائفها والمساحة التي تمنحها للخطاط كي يظهر مهارته.
يمتاز النسخ بوضوح حروفه وانتظامها، وهو ما جعله من أبرز الخطوط المستخدمة في نسخ الكتب والمصاحف. وتكمن دقته في الحفاظ على قابلية القراءة وجمال الحرف في آن واحد، مع ضبط الأحجام والمسافات وإيقاع السطر. أما الثلث، فيمنح الخطاط مجالا أوسع لبناء التكوينات، بما يتيحه من امتدادات وانحناءات وتداخل مدروس للحروف، ولذلك يحضر في اللوحات والعناوين والكتابات المعمارية.
ويقترب الرقعة من الكتابة اليومية بحروفه المختصرة وسرعة أدائه، فيما تتميز أشكال كثيرة من الكوفي ببنائها الهندسي وزواياها الواضحة. ويضيف الديواني بانحناءاته وتقارب حروفه، والفارسي بانسيابه وميله، تنوعا إلى عالم تتحدد فيه شخصية كل خط بقواعده واستخداماته.
وهذا التنوع يجعل الانتقال من خط إلى آخر عملا يحتاج إلى معرفة وتدريب، فالحرف نفسه يتغير في نسبه وحركته وعلاقته بما يجاوره. وما يبدو للقارئ كلمة مألوفة، ينطوي لدى الخطاط على سلسلة من القرارات الدقيقة، تبدأ من شكل الحرف وتنتهي بمكانه داخل اللوحة.
القصبة تعلم اليد الصبر
في تجربة السامرائي، بقيت الأدوات التقليدية حاضرة، تحمل معها خبرة طويلة في التعامل مع الحبر والورق. وللقصبة دور أساسي في شخصية الكتابة. فعرض سنها وزاوية قطعه وطريقة إمساكها تؤثر في سماكة الخط وانتقالاته.
وتقوم تقاليد الخط المنسوب على ضبط العلاقات بين الحروف، باستخدام مقاييس منها النقطة التي يصنعها سن القلم. ومن خلال هذه النسب، يكتسب الحرف اتزانه، وتنتظم صلته ببقية الحروف. وهي معرفة أسهم كبار الخطاطين في تطويرها عبر قرون.
كما أن التعلم التقليدي لهذا الفن يمر بالتدرب على الحروف المفردة، ثم تركيبها في كلمات وعبارات، مع تكرار المحاولة وتصحيح الأخطاء. وقد يستغرق إتقان هذه المراحل سنوات، تتكون خلالها خبرة اليد وقدرة العين على ملاحظة الفروق الصغيرة.
وتمنح هذه الخلفية معنى لسنوات السامرائي الأربعين في المهنة، فهي سنوات ممارسة لفن يحتاج إلى المراجعة المستمرة، وتظل فيه التفاصيل الصغيرة مؤثرة في جمال العمل كله.
بغداد في ذاكرة الحرف
تتصل حكاية الخطاط السامرائي بإرث عراقي كان له دور تأسيسي في تطور الخط العربي. ففي بغداد، برز ابن مقلة الذي ارتبط اسمه بوضع قواعد للكتابة المتناسبة، ثم ابن البواب الذي هذب تلك القواعد وطور تطبيقاتها، وصولا إلى ياقوت المستعصمي الذي قضى معظم حياته في بغداد وأسهم في صقل الخطوط وتطوير أساليب أدائها.
وقد امتد أثر هؤلاء إلى مدارس وخطاطين خارج العراق، لتصبح التجربة البغدادية مرجعا في تاريخ هذا الفن، وتغدو قواعد الحرف وموازينه معرفة تتناقلها الأجيال.
وفي الحياة العراقية، يجد هذا الإرث امتداده في علاقة الناس بالكلمة المكتوبة: اسم على واجهة محل، وبيت شعر في لوحة، وعبارة ترحيب، وآية يختار لها أصحاب البيت مكانا بارزا. هكذا يدخل الخط في التفاصيل المألوفة، ويشارك في تشكيل صورة المكان وذاكرته.
ومن سامراء، يواصل السامرائي ممارسة تحمل جانبا من هذه الصلة، محافظا على حضور العمل اليدوي في مدينة ارتبط اسمها بتاريخ طويل من العمارة والفنون.

جمال يقرأ بالعين أيضا
تنبع أهمية الخط العربي من قدرته على منح اللغة حضورا بصريا، فالكلمة تحمل معناها، ويحمل شكلها إيقاعا وشعورا بالجمال. ويمكن لامتداد حرف أو توازن كتلة كتابية أن يمنح النص وقارا أو خفة أو حركة، بحسب نوع الخط وطريقة تكوينه.
وقد أسهم ارتباط الخط بكتابة القرآن الكريم في منحه مكانة بارزة في الفنون الإسلامية، ثم اتسعت استخداماته لتشمل العمارة والتحف والمنسوجات وسواها. وتتيح طبيعة الحروف العربية واتصالها إمكانات واسعة للتشكيل والزخرفة، مع احتفاظ الكتابة بوظيفتها في نقل النص.
وفي عام 2021، أدرجت اليونسكو “الخط العربي: المعارف والمهارات والممارسات” على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، ضمن ملف عربي مشترك شارك فيه العراق، اعترافا بقيمة هذا الفن وبالمعارف والمهارات المرتبطة بممارسته ونقله.
مكان للحبر في الزمن الرقمي
ومع انتقال جانب كبير من الكتابة إلى الشاشات، يطرح استمرار تجارب مثل تجربة السامرائي سؤالا عن موقع الخط اليدوي اليوم، وعن المهارات التي ينبغي الحفاظ عليها مع تغير وسائل الإنتاج والنشر.
وتبرز قيمته في امتلاك الخطاط القدرة على بناء تكوين خاص، يختار فيه امتداد الحروف وتوزيع الكلمات والفراغات بحسب النص والمساحة. وهي خبرة يمكن أن تثري تصميم أغلفة الكتب والشعارات والملصقات والهويات البصرية، وتمنح العمل ملامحه الخاصة.
كما تتيح الوسائل الرقمية فرصا لتوثيق اللوحات، وعرض مراحل إنجازها، وتقريب تفاصيل حركة القلم إلى المتعلمين. ويمكن لهذا الاستخدام أن يوسع جمهور الخط العربي، بشرط أن يصاحبه اهتمام بفهم قواعده وممارسة الكتابة نفسها، فحفظ صورة العمل يحفظ نتيجته، أما استمرار المهارة فيحتاج إلى أيد تتعلم وتتمرن.
وتكشف بداية السامرائي عن أحد مداخل هذا الاستمرار: طفل ينتبه إلى جمال الحروف، وأسرة تشجعه، ومسابقة تمنحه الثقة. تلك التفاصيل الصغيرة تستحق مكانا في المدارس والأنشطة الثقافية ودروس التربية الفنية تحديدا، لأنها قد تفتح أمام موهبة جديدة الطريق الذي فتحته له قبل عقود.
وفي سامراء، ما زال قدسي السامرائي يعود إلى القصبة والحبر. تغيرت أدوات الكتابة من حوله، وكبرت المسافة الزمنية عن دفتره الأول، لكن الحرف الذي استوقفه طفلا ما زال يستحق عنده كل هذا الصبر.



