
مع اقتراب العام الدراسي الجديد، تبدأ الأسر العراقية حساباتها مبكرا: ماذا تشتري أولا؟ وكيف تؤمّن بقية الاحتياجات؟ أسئلة تتكرر في ظل ارتفاع أسعار المستلزمات المدرسية، بما يفرض أعباء إضافية على العائلات، بالتزامن مع تأخر صرف الرواتب وتراجع القدرة الشرائية.
وفي هذا السياق، استطلعت “طريق24” آراء عدد من المواطنين وخبير اقتصادي بشأن تأثير ارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب في استعدادات الأسر للعام الدراسي الجديد.
أهلاً بالعام الدراسي.. ولكن؟
تقول المواطنة ابتهال عبد عويد إن الاستعداد للعام الدراسي أصبح يحتاج إلى تخطيط مسبق، مبينة أنها شاركت في “سلفة حبايب” منذ بداية العطلة الصيفية الماضية، حتى تتمكن من تغطية احتياجات أبنائها للعام الدراسي الجديد.
وتشير عويد إلى أن أسعار المستلزمات ترتفع كلما اقترب موعد بدء الدراسة ويزداد الطلب عليها، موضحة، أن سعر الصدرية المدرسية التي اشترتها لطفلتها البالغة عشرة أعوام وصل إلى نحو 35 ألف دينار.
وتقول: “وين ما أروح ماكو سعر أقل، وحتى الخياط سعره غالي”.
وبحسب عويد، يصل سعر القميص المدرسي إلى 25 ألف دينار، من دون احتساب كلفة الحذاء والحقيبة والقرطاسية والكتب وبقية المستلزمات، متسائلة عن حجم العبء الذي تتحمله العائلة التي لديها أكثر من طالب.
وتضيف: “بعدنا بأولها، فلدي ابنة في المرحلة الجامعية الثانية، وابن في الصف الخامس الأدبي، ولم أبدأ بتجهيزهما بعد”.
متطلبات لا تتوقف عند الملابس
من جانبها، تقول المواطنة أم وتين إن تجهيز الطالب لا يقتصر على الملابس والقرطاسية، إذ تضطر العائلات أيضاً إلى شراء الكتب الناقصة والملازم، ما يضيف مبالغ جديدة إلى فاتورة العام الدراسي، في وقت تحاول فيه الأسر تقليل نفقاتها قدر الإمكان.
أما أم محمد، وهي أم لثلاثة أبناء، اثنان منهم في المرحلة المتوسطة وواحدة في الصف الثالث الابتدائي، فتوضح أنها اضطرت إلى تجهيز أبنائها على دفعات، بدلا من شراء جميع المستلزمات في وقت واحد.
وتعزو ذلك إلى ارتفاع أسعار مختلف السلع، وليس الملابس المدرسية والقرطاسية فحسب، مؤكدة أن تأخر صرف الرواتب أثّر كثيرا في عملية التجهيز، وجعل تأمين احتياجات ثلاثة طلبة دفعة واحدة أمرا صعبا.
أسعار مرتفعة ورواتب متأخرة
في المقابل، يقول الخبير الاقتصادي عبد الرحمن المشهداني إن الغلاء وارتفاع الأسعار في السوق المحلية عاملان يؤثران بصورة كبيرة في العائلات، فيما يتضاعف حجم الضرر مع تأخر صرف الرواتب واستمرار الحرب في المنطقة، التي تسببت بإغلاق مضيق هرمز.
ويوضح المشهداني أن الإيرادات النفطية انخفضت بأكثر من النصف، وبنحو 60 بالمئة خلال الشهر الحالي، مبينا أن وزارة المالية حريصة على تأمين رواتب الموظفين رغم تأخر موعد صرفها، وأن الأولوية كانت للشرائح المحدودة.
ويشير الخبير والأستاذ الجامعي إلى أن هذه الأوضاع أثّرت كثيرا في أسعار السوق المحلية، في ظل ارتفاع تكاليف النقل عالميا، موضحاً أن العراق يتأثر بهذه الزيادة لأن معظم المواد المستهلكة في أسواقه مستوردة، سواء كانت حقائب أم ملابس أم قرطاسية، وأن الجزء الأكبر منها يأتي من الصين.
ويبين أن البواخر المحملة بالحاويات كانت تصل إلى ميناء البصرة، قبل نقل البضائع إلى بغداد، لكن مسارها تغيّر حالياً، إذ أصبحت البضائع تصل إلى بغداد بعد تحويل مسار السفن من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، ومن العاصمة تُوزع على بقية المناطق.
ويضيف أن المسار الجديد يحتاج إلى مدة إضافية لا تقل عن عشرة إلى 15 يوما، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف النقل نتيجة طول المدة، فضلا عن زيادة كلفة التأمين ايضا بسبب ارتفاع أسعار الوقود.
الأسعار تضاعفت والشراء تراجع
ويؤكد المشهداني أن هذه الظروف انعكست على أسعار السلع في السوق المحلية، مشيرا إلى أن أسعار القرطاسية والحقائب والملابس المدرسية تضاعفت خلال العام الحالي، مع وجود فارق كبير مقارنة بالفترات الماضية، بالتزامن مع أزمة شح النقد لدى الأفراد.
ويلفت إلى أن أغلب الأسر لم تعد قادرة على تحمل هذه التكاليف، لأن ميزانية العائلة العراقية تعاني حاليا وتواجه ركودا كبيرا يبدأ من اليوم العشرين من كل شهر، فيما يقتصر المتسوقون على شراء السلع الأساسية فقط.
ويرى المشهداني أن المشكلة ترتبط أيضا بحالة الذعر والهلع لدى المواطنين، في ظل ارتفاع مستوى الشائعات وتداول أحاديث عن صرف راتب الشهر الحالي وعدم صرف راتب الشهر المقبل. ويضيف أن بعض تصريحات المسؤولين تزيد مخاوف العائلات، قائلا: “عندما يخرج نائب ويقول: ماكو راتب، تتأثر العائلات وتتحفظ على الإنفاق وتبدأ بتقنين استهلاكها”.
ويبين أن هذه الأسباب مجتمعة أدت إلى عزوف العائلات عن الشراء، بسبب عدم قدرتها على تحمل الأسعار المرتفعة وخوفها من المستقبل.
ويختم المشهداني بالقول إن الحرب الدائرة تمثل السبب الأول وراء الأزمة، إلى جانب ارتفاع تكاليف السلع المستوردة إلى السوق المحلية، وعدم قدرة المواطنين على تحمل هذه الزيادات الكبيرة، فضلا عن الهلع من المستقبل.
ويتساءل: “هل سيستمر صرف الرواتب؟ وهل ستُخفض؟ وهل سيتغير سعر الصرف؟ وهل توجد موازنة أم لا؟”. ويؤكد أن هذه العوامل مجتمعة تجعل المواطنين في حالة من عدم الاطمئنان والاستقرار، في ظل ارتفاع الأسعار وتأخر الرواتب وتراجع القدرة الشرائية.



