العراقحكاياتمحليات

“لا تعطيني سمكة علمني كيف أصطاد”.. قصة عراقية حوّلت هوايتها إلى مصدر رزق للأيتام والمتعففين

كانت بلسم محمد ترى في كل قطعة قماش أو لون أو خرزة، بداية لفكرة فنية جديدة. فمنذ طفولتها ارتبطت بالرسم، وكانت تقضي ساعات طويلة وهي ترسم ما يخطر في مخيلتها، قبل أن تكتشف أن شغفها لا يتوقف عند الورق، بل يمتد إلى كل عمل يمكن أن تصنعه بيديها.

ومع مرور السنوات، تعلمت بلسم الخياطة والتطريز وصناعة الزهور والأعمال اليدوية وصواني المناسبات والوسائل التعليمية، ولم تنتظر أن يعلّمها أحد، بل كانت تبحث بنفسها عن كل مهارة جديدة وتتقنها بالتجربة والممارسة والتكرار الفني الذكي.

بدأت رحلتها من منزلها في محافظة واسط، بعد أن جمعت ثمن ماكينة خياطة لتؤسس مشروعا صغيرا. كانت بلسم تنجز أعمالها قطعة بعد أخرى، لكن محدودية الإقبال على المنتجات اليدوية في المحافظة جعلتها تدرك أن الموهبة وحدها لا تكفي، وأن كثيرا من أصحاب الحرف يواجهون المصير نفسه.

وخلال زياراتها التطوعية للعوائل المتعففة والأيتام، لاحظت أن الحاجة لا تقتصر على المال، بل تمتد إلى غياب الفرصة. فالكثير من النساء لا يستطعن العمل خارج المنزل، فيما يبحث شباب كثر عن وسيلة تمنحهم دخلا يحفظ كرامتهم، عندها بدأت تفكر بطريقة مختلفة، واختارت أن تنقل ما تعلمته إلى الآخرين لتفتح امامهم آفاق جديدة ومصادر للرزق.

أطلقت مشروعها التطوعي تحت شعار “لا تعطيني سمكة، بل علمني كيف أصطاد”، وبدأت تجمع الشباب والفتيات في دورات مجانية.

لم تكن تقف أمامهم كمحاضرة، بل كانت تجلس بينهم، تمسك بأيديهم في الخطوات الأولى، في ورش المعجنات، كانت تشرح لهم كيف تتحول المكونات البسيطة إلى عجينة متماسكة، ثم تعلمهم طريقة تقسيمها وتشكيلها وتزيينها حتى تصبح جاهزة للبيع.

وفي دورات صناعة الإكسسوارات والحقائب، كانت تنثر الخرز بألوانه المختلفة على الطاولة، وتوضح لهم كيف تنتظم الحبات الصغيرة واحدة تلو الأخرى لتكوّن حقيبة متكاملة، وتعيد شرح الخطوات لكل من يتعثر حتى يكتمل العمل بإتقان.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

أما في الخياطة، فكانت تبدأ من أبسط الأساسيات، طريقة أخذ القياسات، ورسم الباترون، وقص القماش، ثم الجلوس خلف ماكينة الخياطة لتعلم أول غرزة، قبل الانتقال إلى تنفيذ قطعة يمكن بيعها، وكانت تؤمن أن إتقان التفاصيل الصغيرة هو ما يصنع منتجا جيدا ويمنح صاحبه الثقة. وبعد انتهاء الدورات، لم تترك المتدربين يواجهون السوق وحدهم، بل تعاونت مع متبرعين لتوفير ماكينات خياطة وأفران ومستلزمات العمل، ثم نظمت بازارا دعت إليه تجارا من واسط وبغداد ومحافظات أخرى، ليطلعوا على منتجات المشاركين ويتواصلوا معهم مباشرة واكتفت بأن تكون حلقة وصل، تمنح كل متدرب فرصة ليعرض عمله ويبدأ مشروعه الخاص.

 

واليوم، ترى بلسم أن أثر التجربة لا يقاس بعدد الدورات التي قدمتها، بل بعدد الورش الصغيرة التي افتُتحت داخل المنازل، وبالوجوه التي استعادت ثقتها بنفسها بعدما تحولت المهارة إلى مصدر رزق بالنسبة لها، لم تعد الخياطة أو الرسم مجرد هواية، بل وسيلة لفتح باب جديد أمام من ظنوا أن الفرص بعيدة عن متناولهم.

 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى