
لم يعد التدهور البيئي في العراق مجرد مشاهد متفرقة لنفايات متراكمة أو مياه ملوثة، بل تحول إلى أزمة تتداخل فيها مشكلات تلوث الهواء والمياه والتربة والنفايات وتراجع الموارد الطبيعية. وبينما تتوزع مسؤولية حماية البيئة بين مؤسسات حكومية متعددة، تتزايد الأسئلة حول فاعلية الرقابة وتطبيق القوانين ومحاسبة المتسببين بالتلوث، في وقت يؤكد فيه مختصون أن جزءا كبيرا من الضرر يرتبط بجهات حكومية، إلى جانب مسؤولية المجتمع عن سلوكيات تضر بالبيئة.
أزمة تتسع بالأرقام
يمكن القول أن مشكلات البيئة في العراق لم تعد محصورة في النفايات أو التلوث المحلي، إذ تتداخل معها أزمات تلوث الهواء والمياه والتربة، إلى جانب شح الموارد والتصحر. وتقول منظمة الصحة العالمية إن متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة في العراق بلغ 39 ميكروغراما للمتر المكعب سنويا، فيما يضع البنك الدولي تلوث الهواء والمياه والأراضي ضمن أبرز الضغوط البيئية التي تواجه البلاد.
وفي سبتمبر 2024 أطلقت الحكومة الاستراتيجية الوطنية لحماية وتحسين البيئة 2024–2030، التي تتناول التدهور البيئي والتصحر وفقدان التنوع الحيوي واستنزاف الموارد المائية، ما يعني أن حجم الأزمة وتشعبها باتا جزءا من التخطيط الرسمي للدولة.
لكن استمرار المشكلات يطرح سؤالا مختلفا: إذا كانت الدولة تعرف حجم التدهور وتملك استراتيجية لمعالجته، فأين تتعطل عملية التنفيذ؟
ويقول الخبير البيئي أحمد صالح لـ”طريق24″ إن الوضع “يدق ناقوس الخطر”، معتبرا أن الجزء الأكبر من الملوثات مصدره جهات حكومية، بينما لا تملك وزارة البيئة وحدها صلاحية وضع جميع الحلول أو التشريعات، بسبب توزيع الاختصاصات بين وزارات ومؤسسات أخرى.
مسؤولية موزعة.. ومساءلة غائبة
وتكشف طبيعة الملف البيئي عن تعدد الجهات المسؤولة؛ فوزارة البيئة تؤدي دورا رقابيا، بينما ترتبط ملفات المياه والزراعة والبلديات والصرف الصحي والنفايات بجهات حكومية أخرى. وتؤكد الاستراتيجية الوطنية نفسها الحاجة إلى تنسيق واسع بين المؤسسات لمعالجة التحديات البيئية.
لكن تعدد الصلاحيات لا ينبغي أن يعني تعدد مخارج المسؤولية. فإذا كانت وزارة البيئة ترصد التلوث، بينما تقع أدوات التنفيذ في مؤسسات أخرى، فإن السؤال يصبح: من يلزم الجهة المسؤولة بوقف الضرر؟ ومن يحاسبها عند استمرار المخالفة؟
وتوفر بيانات وزارة البيئة نفسها أمثلة على استمرار هذه المشكلة؛ ففي يونيو 2026 أعلنت الوزارة رصد مواقع يجري فيها تصريف مياه الصرف والمياه الملوثة إلى نهر دجلة، ووجهت باتخاذ إجراءات قانونية بحق الجهات المخالفة، ومنها حكومية طبعا، وتسريع مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي.
وهنا تتجاوز القضية مسألة وجود التلوث إلى قدرة مؤسسات الدولة على منعه. فوجود الاستراتيجية والتشريعات والجهات الرقابية لا يصبح ذا أثر حقيقي ما لم تتحول نتائج الرصد إلى إجراءات قابلة للقياس: مخالفات مسجلة، وغرامات منفذة، وإحالات قضائية، ومصادر تلوث أُغلقت أو عولجت فعليا.
قانون بلا ردع
ولا تبدو المشكلة في العراق مرتبطة بغياب القوانين وحده، فقانون حماية وتحسين البيئة رقم 27 لسنة 2009 وضع إطارا لمنع التلوث ومحاسبة المخالفين. لكن الخبير والمستشار البيئي جاسم الأسدي يرى أن المشكلة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القانون وغياب الردع، مشيرا إلى ضعف شرطة البيئة وبطء إجراءات المحاكم المحلية.
ويقول الأسدي لـ”طريق24″ إن وزارة البيئة تعلم بشكل متكرر بالمخالفات ومصادر التلوث، لكنها لا تكشف عن إجراءات رادعة كافية، معتبرا أن القوانين في البيئة والموارد المائية “شبه ساكنة”.
كما يشير إلى أن معالجة المخالفات أصبحت مرتبطة بالمحاكم، بعدما كانت بعض الصلاحيات قبل عام 2003 بيد مسؤولي الري، وهو ما يراه أحد أسباب بطء الإجراءات.
وفي المقابل، أعلنت وزارة البيئة خلال 2026 عن إجراءات قانونية وغرامات وإحالات بحق مخالفين، ما يجعل الفجوة بين التصريحات والنتائج الفعلية بحاجة إلى قياس بالأرقام ومعرفة كم مخالفة سجلت؟ وكم غرامة دفعت؟ وكم قضية وصلت إلى القضاء؟ وكم مصدر تلوث توقف فعلا؟
الدولة طرفا في الضرر
وتأخذ المسؤولية الحكومية بعدا أكثر حساسية عندما تكون الجهة المتسببة بالضرر مؤسسة عامة.
ويقول الأسدي إن هناك، أحيانا، “عبثا من قبل الدوائر الحكومية نفسها” في الإضرار بالبيئة، ويذكر في تصريحه أمثلة تتعلق بمخلفات ومياه الصرف الصحي الكارثية، معتبرا أن معاقبة الجهات الحكومية المخالفة قد تصبح صعبة بالنسبة للجهات الرقابية.
وهذه الادعاءات لا ينبغي التعامل معها كوقائع نهائية من دون وثائق أو بيانات رسمية تثبت كل حالة، لكنها تفتح أحد أهم أبواب التحقيق: هل تطبق القوانين البيئية على المؤسسات الحكومية بالصرامة نفسها التي تطبق بها على الأفراد والقطاع الخاص؟
ففي يونيو 2026 أعلنت وزارة البيئة رصد مواقع لتصريف مياه الصرف والمياه الملوثة إلى دجلة، مؤكدة اتخاذ إجراءات قانونية بحق الجهات المخالفة. كما أعلنت في نوفمبر 2025 إجراءات للحد من حرق النفايات المتراكمة في بغداد، في ملف قالت الوزارة إنه يتسبب في رفع مستويات تلوث الهواء، ولا نريد التذكير بأن بغداد اختنقت اليوم بهواء مملوء بالدخان الملوث وانتشرت مقاطع الفيديو لهذه الحالة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وبذلك، لا تبدو أزمة البيئة مجرد نتيجة لسلوك مواطن يرمي نفاياته في الشارع أو النهر، رغم أن هذه السلوكيات جزء من المشكلة والجريمة. فالدولة تملك التشريع والرقابة وأجهزة التنفيذ، ولذلك تصبح مسؤوليتها مرتبطة بقدرتها على منع الضرر ومحاسبة المتسببين به، بما في ذلك الجهات الحكومية نفسها.
المجتمع شريك لكنه ليس وحده
لا يمكن تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل ما أصاب البيئة. فالسلوك الفردي يمثل جزءا واضحا من المشكلة، خصوصا في التعامل مع النفايات والمياه والأماكن العامة.
ويقول الخبير والمستشار البيئي جاسم الأسدي إن ضعف الوعي البيئي وغياب الردع ساهما في تفاقم الأضرار، مشيرا إلى ممارسات تشمل رمي النفايات في الشوارع والأنهار، ورمي العبوات البلاستيكية من السيارات.
لكن وضع مسؤولية المواطن في مقدمة المشهد يحجب سؤالا أكثر أهمية: من يضع القواعد، ومن يراقب تنفيذها، ومن يفرض العقوبة؟
فالمواطن الذي يرمي النفايات يتحمل مسؤولية سلوكه، لكن المؤسسات الحكومية تمتلك أدوات مختلفة تماما؛ فهي تضع السياسات، وتراقب مصادر التلوث، وتدير قطاعات النفايات والصرف الصحي والمياه، وتمتلك أجهزة الرقابة والقضاء والإنفاذ. ولذلك فإن مسؤولية الدولة لا تتوقف عند توعية المواطن، بل تشمل ضمان وجود منظومة فعالة تمنع المخالفة وتعاقب عليها.
ويقول الأسدي إن “الحلقة المفقودة” تتمثل في ضعف التثقيف البيئي إلى جانب التلكؤ في تطبيق القوانين، فيما يؤكد أن بعض الدوائر الحكومية نفسها قد تسهم في الإضرار بالبيئة، وبالفعل أن دوائر تلقي بالنفايات الطبية على سبيل المثال، في الأنهر، بواحدة من أخطر الجرائم القاتلة التي يفترض أن تتوقف فورا.
المشكلة ليست في معرفة الخطر
وتكشف الوقائع والتصريحات أن العراق لا يفتقر إلى معرفة حجم أزمته البيئية، ولا إلى القوانين والخطط والمؤسسات. المشكلة الأعمق تكمن في المسافة بين معرفة الخطر والقدرة على منعه.
فالاستراتيجية الوطنية للبيئة موجودة، والجهات الحكومية ترصد مصادر للتلوث، والقانون يتيح اتخاذ إجراءات بحق المخالفين، لكن استمرار التلوث يفرض اختبارا أكثر صرامة: كم قرارا نُفذ؟ وكم مخالفا عوقب؟ وكم مصدرا للتلوث أُغلق أو عولج؟
أما المجتمع، فمسؤوليته حاضرة ولا يمكن إنكارها، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى شماعة تختصر أزمة معقدة تتداخل فيها التشريعات والرقابة والتنفيذ والخدمات. فالبيئة لا تحتاج إلى مزيد من تشخيص المرض بقدر حاجتها إلى مساءلة من يملك أدوات علاجه.



