
أعادت مصادرة نسخ كتاب الباحث علي المدن “تخوم الوعي الديني” من معرض بغداد الدولي للكتاب فتح ملف الرقابة على الكتب في العراق، وسط تساؤلات عن الجهات التي تقرر المنع والأسس التي تعتمدها، خصوصا مع عدم تسلم ناشر الكتاب وثيقة رسمية تبين أسباب المصادرة، بحسب ما أعلنه المدن. وفي مقابل محاولات التقليل من هذه الوقائع وتقديمها كحالات منفردة، كشف صاحب مكتبة في السماوة عن قائمة تضم 81 كتابا طلب منه عدم بيعها، وتعهدات وزيارات متكررة لمكتبته، فضلا عن منع عناوين لا ترد في القائمة نفسها.
وقال أحمد حسين فاضل، صاحب مكتبة في السماوة، إن عددا من الكتب المدرجة على قائمة المنع يدرس في الدراسات الاولية والعليا في الجامعات العراقية، متسائلا عن الأساس الذي يجعل هذه الكتب ممنوعة، خصوصا أن بعضها كتب تاريخية لا تحتوي، بحسب اطلاعه، على مواد تستوجب الحظر.
وفي حوار مفصّل أجراه فاضل مع “طريق24″، أوضح أن القائمة نفسها تتضمن اخطاء في أسماء المؤلفين والمترجمين، وصلت في بعض العناوين إلى وضع اسم المترجم بدلا من المؤلف، وقال: “من الواضح أن الشخص الذي وضع القائمة شخص مؤدلج وينتمي إلى جهة معينة وليس محايدا لأنه اختار الكتب التي تخص جماعة محددة”.

وتابع أن بعض أسباب المنع المدونة في القائمة تتهم كتبا بالترويج لحزب البعث، مشيرا إلى وجود مؤلفات لشامل عبد القادر والدكتور قاسم حسين صالح ضمن هذه الفئة، رغم أن مضمونها، بحسب قوله، بعيد عن هذا الاتهام، فضلا عن أن مواقف مؤلفيها لا تنسجم معه.
وقال فاضل: “من وضع القائمة غير مختص إطلاقا وبعيد كل البعد عن الحيادية والاختصاص والفكر والثقافة”، معتبرا أن قراءة الكتب المدرجة تكشف أن بعض توصيفات المنع لا تتطابق مع محتواها.
وبحسب فاضل، بدأت القضية بعد زيارات قام بها عناصر من الأمن الوطني إلى مكتبته وإبلاغه بضرورة توقيع تعهد، قبل أن يتوجه لاحقا إلى الجهة المختصة ويطلع على قائمة من خمس صفحات تضم 81 عنوانا.
وقال إن ما أبلغ به كان: “هذه الكتب ممنوعة وتتعهد بأن لا تبيعها ونحن سنزورك بين فترة وأخرى ونريد منك أن تزودنا بتقارير عن المؤلفين الموجودين في السماوة”.
وأكد أنه رفض تقديم معلومات عن الكتّاب والمؤلفين في المدينة، ورد عليهم بالقول: “هذه هي الكتب وهؤلاء هم المؤلفون خذوها واقرؤوها أنتم”.
وأشار إلى أن الزيارات لم تتوقف بعد ذلك، بل تكررت إلى المكتبة، موضحا أنه كان يتلقى اتصالات من العامل فيها لإبلاغه بوجود عناصر تسأل عنه أو تتابع الكتب المعروضة.

وزوّد فاضل “طريق24” بقائمة الـ81 كتابا التي تلقاها من الأمن، وقال أنه نشرها داخل مجموعة خاصة بأصحاب المكتبات والمهتمين بالكتب في شارع المتنبي، بهدف معرفة ما إذا كانت القائمة قد وصلت إلى مكتبات أخرى، قبل أن يتلقى، بحسب روايته، اتصالا من الأمن الوطني في بغداد.
وقال إن الجهة التي اتصلت به أبلغته: “نحن ليس لدينا قائمة كتب محظورة نشرت بهذا الشكل”، ليجيب بأن القائمة سلمت إليه من مسؤولي الأمن الوطني في السماوة وإنها مرفقة باستمارة تعهد رسمية.
وأضاف أن المتصلين طلبوا منه حذف المنشور وأبلغوه بأنهم سيتابعون الموضوع مع مسؤولي السماوة، فقام بحذفه، فيما ظلت نسخة القائمة موجودة لديه.
ويرى فاضل أن المشكلة لا تتوقف عند العناوين الـ81، إذ تحدث عن زيارات لمعارض كتب داخل الجامعات وخارجها يطلب خلالها رفع عناوين أخرى غير موجودة في القائمة، من دون توضيح معيار ثابت للمنع.
وأشار إلى حالات شهدتها معارض ودور نشر، من بينها دار المدى، إضافة إلى سحب كتاب “القديس والقيصر” من أحد المعارض، وهي واقعة قال إنها أسهمت لاحقا في زيادة الطلب على الكتاب بدلا من الحد من انتشاره.
وتأتي شهادة فاضل بعد أيام من مصادرة كتاب علي المدن في الدورة السابعة والعشرين لمعرض بغداد الدولي للكتاب. وكان المدن قد أعلن أن عناصر من جهاز الأمن الوطني أخذوا نسخة من كتابه في البداية، قبل أن يعودوا ويصادروا جميع النسخ الموجودة في جناح الناشر ويمنعوا بيعها، من دون تسليم دار النشر وثيقة رسمية تحدد سبب الإجراء أو أساسه القانوني.
وتتضمن المفارقة أن معرض بغداد أعلن قبل افتتاحه أن من أهدافه دعم الثقافة والمعرفة وتشجيع القراءة، فيما أعادت واقعة المدن الجدل بشأن طبيعة الرقابة على العناوين المشاركة وحدود صلاحيات الجهات الامنية داخل المعرض.

وزير التجارة مصطفى العاني قال لاحقا إن رجال الأمن لم يبلغوه بتفاصيل قضية كتاب المدن، وإنه سيدقق الموضوع شخصيا، موضحا في الوقت نفسه أن هناك لجنة تتولى مراجعة عناوين الكتب، وأن الجهات الرقابية يمكنها خلال المعرض سحب الكتب التي ترى أنها تثير الكراهية أو الطائفية أو تتعارض مع المعايير الاخلاقية والدينية. وأقر بأن من حق المؤلف أن يشعر بالانزعاج إذا ثبت تعرضه للظلم.
غير أن شهادتي المدن وفاضل تعيدان السؤال إلى نقطة أبعد من مصير كتاب واحد: هل توجد قائمة رسمية معلنة للكتب الممنوعة في العراق؟ ومن يضعها؟ وما الجهة المخولة قانونا بالمصادرة؟ وهل يحصل المؤلف أو الناشر على قرار مكتوب يحدد سبب المنع ويتيح له الاعتراض عليه؟
بالنسبة لفاضل، فإن التجربة التي مر بها في السماوة تجعل من الصعب التعامل مع ما يحدث في معارض الكتب بوصفه حادثة عابرة. فوجود قائمة من 81 عنوانا، ثم منع كتب من خارجها، ثم نفي بغداد وجود القائمة بالصورة التي سلمت إليه، يكشف مشكلة تتعلق بوضوح القرار ومسؤوليته قبل أن تتعلق بمضمون هذا الكتاب أو ذاك.





