العراقسياسة

حملة مكافحة الفساد تعيد الجدل بشأن المال السياسي.. هل كانت الانتخابات عادلة؟

بعد حملة الاعتقالات التي طالت عددا من النواب والمسؤولين بتهم فساد، عادت إلى الواجهة التساؤلات بشأن دور المال السياسي في الانتخابات السابقة، ومدى تأثيره في تكافؤ الفرص بين المرشحين، في ظل تنافس امتلكت فيه قوى سياسية متنفذة إمكانات مالية ضخمة، مقابل مرشحين خاضوا السباق بإمكانات محدودة.

ويقول مختصون إن الجدل لا يتعلق فقط بالملاحقات القضائية الجارية، وإنما يمتد إلى طبيعة المنظومة التي تنظّم تمويل الحملات الانتخابية، ومدى قدرتها على ضمان منافسة عادلة بين المرشحين، ومنع استغلال المال العام أو النفوذ السياسي في العملية الانتخابية.

غياب المنظومة الرقابية

ويرى الخبير في الشأن الانتخابي وائل البياتي أن أحد أبرز أسباب استمرار هذه الإشكالية يتمثل في غياب منظومة رقابية قادرة على تتبع مصادر تمويل الحملات الانتخابية وحجم الإنفاق الفعلي، موضحا أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات ليست جهة مالية أو محاسبية، ولا تمتلك الصلاحيات أو الأدوات اللازمة لمراقبة التمويل الانتخابي.

ويقول البياتي، في حديثه لـ”طريق 24″، إن العراق لا يمتلك حتى الآن قانونا متكاملا ينظم تمويل الحياة السياسية، إذ تقتصر الإجراءات على تعليمات صادرة عن المفوضية تحدد سقف الإنفاق لكل مرشح بواقع 250 دينارا عن كل ناخب ضمن الدائرة الانتخابية.

ويشير إلى أن هذا السقف يسمح، في الدوائر ذات الكثافة السكانية المرتفعة، ولا سيما في بغداد، بإنفاق قد يصل إلى مليار و250 مليون دينار للمرشح الواحد، بينما ترتفع المبالغ إلى مستويات أكبر عند احتسابها على مجموع مرشحي القوائم والأحزاب الكبيرة.

ويرى البياتي أن المشكلة لا تكمن في وجود سقوف للإنفاق الانتخابي فحسب، بل في غياب الرقابة المالية المتخصصة القادرة على التحقق من مصادر الأموال ومدى الالتزام بهذه السقوف.

ويؤكد أن غياب الرقابة المالية المتخصصة أوجد تفاوتا واضحا في القدرات المالية بين المتنافسين، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على مبدأ تكافؤ الفرص، وأضعف فرص المرشحين الذين لا يمتلكون موارد مالية كبيرة في منافسة قوى قادرة على تمويل حملات دعائية واسعة وتشكيل شبكات كبيرة من الوكلاء والمراقبين.

اختلال العدالة والمنافسة

ولا يقتصر هذا التقييم على آراء الخبراء، إذ تتوافق هذه الرؤية مع تقارير صادرة عن منظمات معنية بمراقبة الانتخابات، تحدثت عن اختلال واضح في العدالة المالية للمنافسة الانتخابية نتيجة الثغرات القانونية وضعف الرقابة على تمويل الحملات، الأمر الذي وضع المرشحين المستقلين أو محدودي الإمكانات في مواجهة منافسين يمتلكون قدرات مالية كبيرة أثرت في طبيعة المنافسة.

ويضيف البياتي أن معالجة هذه الإشكالية لا تقتصر على الملاحقات القضائية بعد انتهاء الانتخابات، وإنما تتطلب تشريع قانون متكامل لتنظيم تمويل الحياة السياسية، يفرض رقابة مالية وقضائية متخصصة على مصادر تمويل الأحزاب والمرشحين، وآليات جمع التبرعات والإنفاق الانتخابي.

ويلفت إلى أن العديد من الدول الديمقراطية تطبق أنظمة رقابية أكثر صرامة، من بينها فرنسا ومصر، حيث تتولى جهات متخصصة تدقيق الحسابات المالية للحملات الانتخابية، وإلزام المرشحين بتقديم كشوفات تفصيلية بمصادر الأموال وأوجه إنفاقها قبل المصادقة النهائية على نتائج الانتخابات.

دور المال في السباق الانتخابي

في المقابل، يرى الخبير القانوني عباس العقابي أن المال كان له تأثير واضح في المنافسة الانتخابية خلال الدورات السابقة، مبينا أن الكثير من المرشحين خسروا الانتخابات بسبب ضعف إمكاناتهم المالية، وهو ما أكدته، بحسب قوله، آراء عدد من خبراء الشأن الانتخابي.

ويؤكد أن المفوضية العليا المستقلة للانتخابات تعتمد على المخاطبات الرسمية عند تدقيق ملفات المرشحين، إذ تخاطب الجهات الأمنية المختصة، ومنها جهاز المخابرات، وجهاز الاستخبارات، ووزارة الداخلية، ومديرية الأدلة الجنائية، ومديرية التسجيل الجنائي، للتحقق من وجود أي قيود قانونية بحق المرشح.

ويضيف أن أغلب المتهمين الذين أثيرت أسماؤهم مؤخرا لم تكن لديهم قيود جنائية أو قضائية مسجلة عند تقديم طلبات الترشح، لذلك اعتُبرت طلباتهم مستوفية للشروط، مؤكدا أن المفوضية تتعامل مع الوثائق والقيود الرسمية حصرا، ولا تبني قراراتها على الاتهامات غير المثبتة.

ويشير المتحدث إلى أن الجدل الحالي لا يتعلق فقط بمصير المتهمين في قضايا الفساد، وإنما يطرح تساؤلات أوسع بشأن كفاية المنظومة القانونية والرقابية في ضبط تمويل الحياة السياسية، بما يضمن منافسة انتخابية تقوم على تكافؤ الفرص، لا على تفاوت الإمكانات المالية بين المرشحين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى