
بابتسامة جميلة وكلمات تدل على الترحاب وروح الضيافة الأصيلة، يستقبل الشاب الجنوبي “سجاد حسن” الغرباء الوافدين من كل بقاع العالم إلى محافظة ذي قار. نساء ورجال وشباب وأناس من مختلف الأعمار والجنسيات يأتون من بعيد، ويحطّون رحالهم في المحافظة ليشبعوا فضولهم تجاه هذه الأهوار الخالدة، وليسمعوا عن قرب، الحكايات والقصص عن حضارة السومريين، وليروا آثار أقدم المجتمعات البشرية التي ما تزال شاخصة هناك.

يرفع سجاد عصا المشحوف بخفة، يدفع القارب نحو ممر ضيق بين القصب، ثم يلتفت إلى السياح مبتسما قائلا بالإنكليزية “Welcome to the Iraqi Marshes”:فتتسع أعين الزوار عندما يخرج رأس جاموس من الماء على بعد أمتار قليلة. وأثناء هذه المغامرات السياحية الاستشكافية، لا يتصرف سجاد كدليل سياحي فحسب، بل بصفته راويا محليا لمكان يتمد عمره إلى آلاف السنين، ويحمل ذاكرة البشرية منذ لحظات نشوء الحضارات الأولى.

لم يتجاوز سجاد السادسة عشرة من عمره، لكنه يتحدث الإنكليزية بطلاقة نسبية، ويقود عشرات السياح الأجانب داخل أهوار الجبايش، ويروي لهم تاريخ السومريين بلغتهم. يستطيع أن يتعامل مع الزائرين رغم أنهم من مختلف الجنسيات والثقافات والخلفيات الاجتماعية.
يقول سجاد لـ”طريق24″، أنه قبل خمسة أعوام وعندما كان صغيرا جدا، بدأ اهتمامه بهذا الميدان في أهوار الجبايش، متنقلا بين الزوار القادمين من بلدان بعيدة جدا. أما لقاءاته اليومية مع الناس، فقد اتاحت له فرصة سماع الكثير من اللغات واللهجات، واستطاع من بينها أن يلتقط بنباهة وذكاء اللغة الانكليزية، وان يصل لمستوى يؤهله لاجراء الاحاديث. كل ذلك تعلمه سجاد عند الأهوار، بين المشاحيف والبردي، بعيدا عن أسوار المدارس.

يتحدث سجاد عن الحب الذي نشأ معه تجاه هذه المناطق الجميلة، ويقول أنه لم يتعلم اللغة الانكليزية بدافع العمل والحصول على الرزق من السياحة الطبيعية في الجنوب، وإنما لإيمانه بأن قصص وحكايات أهوار العراق تستحق أن تُروى لكل العالم وبأكثر من لغة. ويعتقد أن الهدف من عمله ليس الإجابة على اسئلة الزائرين، بل أن يجعلهم على علم ودراية وفهم بتاريخ الأهوار والحضارات الانسانية العريقة التي بُنيت قربها. وأن يوفر للضيوف معرفة بطبيعة الأهالي وعاداتهم الاجتماعية، وعلاقتهم المميزة بالماء والقصب والطين والحيوانات. لذلك يصرّ على أن يغادر كل سائح أجنبي مع حكاية عن الأهوار.

تبدأ مغامرات السائحين عندما يقود سجاد القارب ويدخل الى أولى الممرات المائية، لكنه يبدأ بشكل مباشر بتقديم عرض شفوي يتضمن معلومات مفصلة حول كيفية تشكيل القصب والبردي لملامح الحياة في الأهوار، ويستفيض بالشرح عن خصائصها، ومميزاتها، ومعانيها المادية والمجازية بالنسبة لسكنة الأهوار. يقوم أيضا بتعريفهم بالحيوانات المحلية والمهاجرة، وبالجاموس الذي يعتبر من أقدم الحيوانات حضورا في حضارات العراق القديمة.
وعند انتهاء الجولات داخل الهور، يأخذهم سجاد إلى المضيف، حيث رائحة القهوة العربية، وكرم أهل الهور، والعادات الاجتماعية والألفة التي بقيت حيّة رغم تبدل الأزمنة. وهناك، بين الناس، يتذوق الزائر خبز التنور الساخن، والقيمر، والسمك المسكوف، وخبز السيّاح، ليعيش لحظة المكان بكل تفاصيلها، وليندمج بحياة أهل الهور، لا أن يكتفي بالنظر إليهم ومراقبتهم.

وعن أكثر اللحظات جمالا وعاطفية في هور الجبايش، يقول سجاد أنها لحظات غروب الشمس، فهي الأقرب إلى قلبه ومميزة لدى الزوار.
يفصّل المشهد وهو يشرح ما في خياله عن تلك اللحظات، فيقول أن الشمس عند غروبها تنسحب ببطء إلى ما وراء القصب، ويخيم صمت غريب على القوارب الساكنة على أطراف الماء. وحتى أكثر السياح حديثا وضجيجا، يقول سجاد أنه يتوقف عن الكلام والحركة، ويكتفي بالنظر بسلام، وكأن الطبيعة تقرر أن تتحدث لوحدها والجميع ينصت اليها بدهشة.

لكن عيون هذا الشاب التي فاضت بالحب وهو يتلو هذه الحكايات، سيطرت عليها ملامح الحزن تدريجيا. ويقول أن السبب هو الجفاف، الآفة التي ضربت الأهوار وأضرت بالحياة والسياحة والنشاط الاقتصادي.

صحيح أن الأهوار تأثرت بشكل كبير بسبب نقص المياه، لكن ذلك غيّر أيضا ملامح الحياة بأكملها كما يقول سجاد. فالممرات التي كانت تزدحم بالقواب، أصبحت الآن خاوية. وعدد من الاماكن التي صنعت الذكريات واللحظات الجميلة للزوار، جفّت وصارت مساحات قاحلة. ومن المؤكد أن اعداد الزائرين تراجعت، لتضطر العائلات التي كانت تعيش على الصيد أن تترك بيوتها وتهاجر بعدما فقدت مصدر رزقها الوحيد.

“أصعب ما نراه اليوم ليس انخفاض منسوب المياه، بل غياب الحياة، وأصوات الطيور التي تعودنا عليها، فضلا عن حركة الصيادين، ودهشة الزائرين وهم يكتشفون المكان لأول مرة”، هكذا يصف سجاد المشهد بأكمله.
ورغم ذلك، يرفض هذا الشاب أن تكون نهاية الحكاية هي “الجفاف”، حمل كاميرته وبدأ يوثق ما تبقى من جمال الأهوار، مؤمنا بأن المكان لا يُختزل بكمية المياه، بل بتاريخ يمتد لآلاف السنين، وبثقافة متجذرة، وبإنسان ما زال يتمسك بأرضه رغم قسوة الظروف.

يقول أنه لا ينشر صوره ومقاطع الفيديو بحثا عن المشاهدات، وإنما دفاعا عن ذاكرة يخشى أن تُنسى. هو مؤمن بأن كل صورة قد تدفع زائرا لزيارة الأهوار، أو أن تُذكّر مسؤولا بقضيتها، أو أن تجعل العالم يدرك أن هذه البقعة ليست مجرد موقع طبيعي، بل روح كاملة تقاوم الجفاف لتبقى حية.




