
خلال أيام قليلة، انتقلت الأزمة بين العراق والسعودية من مرحلة البيانات الرسمية والتحقيقات الحكومية إلى مواجهة عسكرية مباشرة. فبعد أن أعلنت الرياض تعرضها لهجوم اتهمت بتنفيذه فصائل عراقية موالية لإيران، سارعت بغداد إلى تشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابسات الحادث، في محاولة لاحتواء التوتر ومنع اتساعه.
إلا أن الأحداث تسارعت قبل إعلان نتائج التحقيق، إذ تعرضت مقرات تابعة للحشد الشعبي داخل العراق لضربات جوية أمريكية – سعودية، ما وضع الحكومة العراقية أمام اختبار أمني وسياسي معقد، في وقت تشهد فيه البلاد فراغا في قيادة أهم المؤسسات الأمنية.
الفراغ الأمني في توقيت حرج
يتزامن هذا الاعتداء مع استمرار شغور وزارتي الدفاع والداخلية، نتيجة الخلافات السياسية التي عطلت استكمال الكابينة الحكومية، رغم مرور فترة طويلة على تشكيل الحكومة. وتُدار الوزارتان بالوكالة، بينما يرى مراقبون أن غياب وزيرين أصيلين يقلل من قدرة الدولة على إدارة الملفات الأمنية والعسكرية، خصوصا في ظل تصاعد التوترات الإقليمية.
ويكتسب هذا الملف أهمية إضافية مع ترقب زيارة كان من المقرر أن يجريها رئيس الوزراء علي الزيدي إلى السعودية ضمن جولاته الإقليمية، الأمر الذي يجعل الأزمة الحالية تتجاوز بعدها الأمني لتلقي بظلالها على المسار الدبلوماسي أيضا.
ولا يقتصر النقاش على غياب الوزراء، بل يمتد إلى قدرة الدولة على إدارة الأزمات في ظل استمرار الانقسام السياسي، وهو ما يثير تساؤلات متكررة حول مدى تأثير الخلافات الداخلية على سيادة العراق.
وفي هذا السياق، يرى المحلل السياسي طالب محمد كريم أن التحدي لم يعد خارجيا فقط، بل أصبح مرتبطا ببنية النظام السياسي نفسه.
ويقول كريم لـ”طريق24″: “في ظل هذا الواقع يبرز سؤال جوهري: هل أصبح الانقسام والصراع السياسي الداخلي أخطر على سيادة العراق من التهديدات الخارجية نفسها؟ الدولة التي تعجز عن استكمال مؤسساتها الأمنية والعسكرية في ظل بيئة إقليمية شديدة الاضطراب تمنح خصومها فرصة لاستغلال الفراغ وتبعث برسائل ضعف إلى الداخل والخارج معا.”
ويضيف المحلل أن استمرار الفراغ في المؤسسات الأمنية يضع مسؤولية مباشرة على القوى السياسية التي لم تتمكن حتى الآن من حسم هذا الملف.
اتهامات للقوى السياسية
ولا يتوقف الانتقاد عند الجانب المؤسسي، إذ يرى عدد من النواب أن الأزمة الحالية هي نتيجة تراكمات سياسية امتدت لسنوات، انعكست على أداء مؤسسات الدولة.
وفي هذا الإطار، يحمّل النائب محمد الخفاجي القوى السياسية مسؤولية ما وصلت إليه الأوضاع الأمنية والسياسية.
ويقول خلال حديثه مع “طريق24″، أن “جميع القوى السياسية القابضة على السلطة تتحمل ما يجري، فهي تركت شؤون البلاد، وتقاسمت الوزارات، وقدمت المجاملات على حساب الوطن وسيادته وكرامة مواطنيه وأمنهم.”
ويرى الخفاجي أن آثار هذا النهج لم تقتصر على الحكومة، بل امتدت إلى مجلس النواب، معتبرا أن استمرار إضعاف دوره يصب في مصلحة الفساد ويؤخر معالجة الملفات المصيرية.
دعوات لاستكمال المنظومة الأمنية
في المقابل، يدعو آخرون إلى التركيز على الحلول العملية أكثر من تبادل الاتهامات، معتبرين أن التطورات الأخيرة تستوجب تحركا سياسيا وأمنيا عاجلا.
وفي هذا السياق، أدان النائب صفاء الجابري الضربات التي استهدفت الأراضي العراقية، مطالبا بتوحيد المواقف السياسية والإسراع في استكمال الكابينة الحكومية، ولا سيما الوزارات الأمنية، إلى جانب دعوته إلى اتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية لمنع تكرار مثل هذه الحوادث. وقال ذلك في تصريح لـ”طريق24″.
ويتفق أستاذ العلوم السياسية في جامعة بغداد الدكتور طارق الزبيدي مع الرأي القائل إن استمرار الفراغ الأمني يزيد من هشاشة الموقف العراقي في ظل التصعيد الإقليمي.
ويقول لـ”طريق24″ إن الحكومة مطالبة باحتواء الأزمة، إلا أن استمرار شغور الوزارات الأمنية يعكس حجم الانقسام السياسي، محذرا من أن تكرار الاستهدافات قد يقود إلى تداعيات خطيرة على العراق والمنطقة.
ويشدد الزبيدي على أن استكمال المؤسسات الأمنية، وتعزيز منظومة الدفاع الجوي، ودعم القوات الجوية، باتت أولويات لا تحتمل المزيد من التأجيل، في ظل تكرار الخروقات التي تطال السيادة العراقية.



