
تنشر “طريق24” الترجمة العربية الكاملة للمقال الذي كتبته فيكتوريا جيه تايلور، مديرة مبادرة العراق في برامج الشرق الأوسط بالمجلس الأطلسي، والتي شغلت مؤخرا منصب نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون العراق وإيران، ويتناول زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى واشنطن ولقاءه الحالي بالرئيس الأميركي دونالد ترامب، وانعكاسات الزيارة على العلاقات العراقية الأميركية.
يبدأ هذا الأسبوع رئيس الوزراء العراقي المعين حديثا علي الزيدي، زيارته الأولى لواشنطن ليعقد اجتماعا مرتقب للغاية مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وبعد الدعم الأميركي المبكر والقوي لتوليه رئاسة الوزراء، من المتوقع أن يؤكد الزيدي استعداده لنزع سلاح الفصائل المدعومة من إيران في العراق، وأن يوقّع حزمة من الاتفاقيات مع شركات الطاقة الأميركية. ويُشكل كلا العنصرين جوهر أجندة إدارة ترامب في العراق، والتي لا تحركها التزامات تاريخية، بل تمتد بشكل أضيق إلى الأهداف الأمنية والاقتصادية الأمريكية في الأمد القريب.
في أعقاب الحرب مع إيران وما خلّفته من آثار كارثية على العراق، يتولى الزيدي قيادة بلد يواجه تحديات أمنية واقتصادية خطيرة على الصعيد الداخلي، إلى جانب مشهد السياسة الخارجية المحفوف بالمخاطر. وبصفته رجل أعمال لا يمتلك أي خبرة سياسية سابقة، يقدّم نفسه على أنه شخصية من خارج الطبقة السياسية ورجل أعمال نافذ، أو كما وصفه مطلعون عراقيون: “ترامب الشرق الأوسط”. ومع ذلك، وبينما يحاول تلبية المطالب الأميركية وإبقاء العراق على المسار الصحيح، فمن المرجح أن يواجه ردود فعل سلبية من إيران ومن النظام السياسي العراقي ذاته الذي رفعه إلى منصبه.
ويمكن للولايات المتحدة إما أن تظل شريكا داعما لاستقرار العراق، أو مصدرا للضغوط المتواصلة على الدولة العراقية. ولا ينبغي للزيدي أن يقنع ترامب بأنه راغب وقادر على تلبية العديد من المطالب الأمريكية المهمة فحسب، بل يتعين عليه أيضا أن يؤكد أن العراق يظل حاسما للمصالح الوطنية الأميركية ويستحق الشراكة المستمرة مع واشنطن.
آمال كبيرة
وفي أواخر نيسان تم ترشيح الزيدي من قبل الإطار التنسيقي، وهو ائتلاف فضفاض من الأحزاب الشيعية، وتم تأكيد تعيينه وحكومته الجزئية في 14 أيار. وجاء اختياره كمرشح توافقي بشكل مفاجئ، ليصبح أول شخص غير سياسي رئيسا للوزراء في العراق. وقد برز باعتباره الاختيار بعد الجمود الذي أحدثه الفيتو الأميركي الفعلي على ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي.
في العراق، روّج الزيدي علنا لزيارته إلى واشنطن باعتبارها أول رحلة خارجية له، في محاولة لإبراز أهمية العلاقة مع الولايات المتحدة بالنسبة للعراق، وكذلك لتعزيز الدعم الذي يحظى به من إدارة ترامب. وقد حصل بالفعل خلال فترة ولايته القصيرة على العديد من التعزيزات المبكرة من فريق ترامب، بما في ذلك مكالمات من ترامب ووزير الحرب بيت هيجسيث، بالإضافة إلى بيان إيجابي من المبعوث الخاص توم باراك أشاد بـ “القيادة الجديدة” للزيدي و “أجندة جديدة جريئة”.
عملية موازنة مستحيلة
وبينما يحاول الزيدي الترويج لرئاسته للوزراء باعتبارها تمثل اتجاها جديدا وربما أكثر تأييدا لأميركا على صعيد السياسة الخارجية، تأتي زيارته بعد أيام فقط من مراسم الجنازة العامة في العراق للمرشد الأعلى الإيراني السابق علي خامنئي.
وشارك الزيدي نفسه ومجموعة من السياسيين العراقيين -الشيعة والسنة والأكراد والمسيحيين- في مراسم الجنازة، وسافروا إلى النجف للقاء نعش الزعيم الذي قُتل في اللحظات الأولى من الحرب الأمريكية والإسرائيلية ضد إيران. وانضمت إليهم حشود من المشيعين العراقيين، مما يدل على القوة الدينية والثقافية العميقة التي لا تزال إيران تمارسها داخل البلاد.
إن التناقض المحرج بين هذه الأحداث يرمز إلى التنافس على النفوذ في العراق. وقد حاول رؤساء الوزراء المتعاقبون تحقيق التوازن في السياسة الخارجية العراقية بين العلاقة التكافلية بين البلاد وإيران وتعاونها الاستراتيجي المستمر مع الولايات المتحدة. لقد أدت الحرب الإيرانية هذا العام إلى جعل عملية التوازن هذه -التي كانت دائما محفوفة بالمخاطر- غير قابلة للاستمرار على نحو متزايد. فتقويض قبضة إيران، هو الدافع المحفز للسياسة الأميركية في العراق، وهو ما يعني أن الزيدي سوف يواجه خيارات صعبة.
أجندة قائمة على تبادل المصالح
وعلى الفور، يواجه الزيدي اجتماعا عالي المخاطر وعالي المكافأة مع ترامب، وهو الاجتماع الذي أربك عددا من زعماء العالم الآخرين. بالنسبة لهذا الاجتماع على وجه الخصوص، قد يكون الشكل أكثر أهمية من الجوهر. ويتعين على الزيدي أن يسحر ترامب ويمنحه الثقة في أن الولايات المتحدة تضع ثقلها خلف الزعيم المناسب.
إن أجندة إدارة ترامب في العراق تتحدد من خلال أجندتها الأوسع نطاقا تجاه إيران، وخاصة بعد أن انحدر العراق إلى العنف في بداية الحرب الإيرانية. لقد خسر سلف الزيدي، محمد شياع السوداني، الدعم الأميركي بشكل دراماتيكي للغاية خلال نهاية فترة رئاسته للوزراء، بسبب تداعيات الحرب، والتي شملت هجمات الميليشيات المستمرة على المواقع الدبلوماسية والعسكرية الأميركية، فضلا عن اختطاف الصحفية الأميركية شيلي كيتلسون.
ويشكّل تقويض النفوذ الإيراني في العراق جوهر أهداف إدارة ترامب، حيث يحتل نزع سلاح الميليشيات المدعومة من إيران الأولوية، يليه عن كثب التركيز على تقليل اعتماد العراق على الغاز الإيراني. وقد أظهرت الإدارة بالفعل تصميمها واستعدادها لاستخدام ضغوطها لتحقيق أهدافها. وفي نيسان من هذا العام، حجبت الولايات المتحدة شحنات الدولار الأميركي إلى العراق وأوقفت التعاون الأمني.
وتُشكّل أجندة الأعمال ساحة أخرى للحكومة العراقية للبقاء في حظوة فريق ترامب، ومن المتوقع أن يوقع الزيدي ووفده عدة مذكرات تفاهم وصفقات أخرى مع شركات الطاقة الأمريكية الكبرى. ومن شأن هذه الصفقات -التي لا يزال بعضها قيد الإعداد منذ فترة طويلة- أن تعود بالنفع على الشركات الأميركية وتساعد في تعظيم إمكانات قطاع الطاقة في العراق.
ويتعين على واشنطن أن تواصل الضغط من أجل إصلاحات صديقة للأعمال التجارية من شأنها تسهيل الاستثمار الأجنبي والمحلي على حد سواء والمساعدة في تشغيل الاقتصاد العراقي. وقد يشمل ذلك قيام بغداد بتقليص الروتين، وتحسين حل النزاعات وإنفاذ العقود، وتعزيز القطاع المالي، وإزالة الحد الأقصى البالغ 49 في المائة لملكية الشركات الأجنبية.
التفاؤل الحذر
ومن المرجح أن يشير الزيدي إلى بعض النجاحات المبكرة، التي يأمل هو وحكومته أن تتطور إلى تقدم مستدام. ومنذ تولي الزيدي زمام الأمور، تعهد ثلاث من زعماء ميليشيات رئيسية —عصائب أهل الحق، وكتائب الإمام علي، وسرايا السلام— بأنهم مستعدون لنزع سلاحهم. وحددت الحكومة العراقية يوم 30 أيلول موعدا نهائيا لجميع الميليشيات لتسليم أسلحتها للدولة، وهو الموعد النهائي المحدد لرحيل الوجود العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق.
ووعد الزيدي أيضا بمواجهة الفساد في العراق. وكانت موجة 27 حزيران التي شملت سبعة وأربعين اعتقالا بتهمة مكافحة الفساد، بما في ذلك سياسيون ومسؤولون حكوميون آخرون، بمثابة إطلاق دراماتيكي لهذا الجهد، حتى وإن بدت الأهداف مقتصرة على عدد قليل من الدوائر السياسية.
ورغم مزيج من الدعم والضغوط الأميركية، فإن الزيدي سيواجه عقبات خطيرة في طريقه. ورغم أن نزع سلاح الميليشيات يصب في المصلحة الوطنية العراقية الواضحة، فإن ترسيخ الميليشيات العميق في كل من النظام السياسي والاقتصادي قد يحبط إحراز تقدم ملموس. وتعهدت الميليشيات الأكثر تشددا بمواصلة القتال ومواصلة ممارسة قدر كبير من السلطة، بما في ذلك من خلال البرلمان. ورغم أن الزيدي ليس سياسيا، إلا أنه تم اختياره من قبل نفس النظام الذي وضع السوداني في مكانه، وسيواجه العديد من القيود نفسها.
وسوف يواجه الزيدي أيضا إيران، التي أصبحت ضعيفة عسكريا في جوانب معينة ولكنها معززة استراتيجيا في جوانب أخرى. وبعيدا عن إزاحة النفوذ الإيراني في العراق، فقد أظهرت الحرب الأخيرة لكل من إيران والدولة العراقية أن الميليشيات تشكل أداة قوية ضد الولايات المتحدة وجيران العراق. وكانت الزيارة التي قام بها قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي إسماعيل قاني في نيسان بمثابة تذكير آخر بأن إيران لن تتخلى عن نفوذها طوعا.
ما الذي على المحك؟
وعلى نطاق أوسع، يتعين على الزيدي إقناع إدارة ترامب بأن العلاقة الأميركية مع العراق هي علاقة تخدم المصالح الأميركية. لقد اعتبرت الحكومات العراقية المتعاقبة الشراكة الأميركية أمرا مسلما به، على افتراض أن تاريخ الغزو الأميركي والالتزام الثنائي الطويل الأمد تجاه العراق سوف يستمر بلا هوادة.
ويواجه الزيدي واقعا جديدا وصعبا في واشنطن: إدارة مستعدة للانسحاب من العلاقة إذا لم تكن راضية عن نجاحها في خدمة الولايات المتحدة. ويتعين عليه أن يظهر تقدما مستمرا بشأن أولويات الإدارة الرئيسية لإبقاء الولايات المتحدة منخرطة وتجنب الضغوط الكبيرة التي تستعد إدارة ترامب لاستخدامها كوسيلة ضغط.
لقد أسهمت سنوات من الانخراط العسكري الأميركي، إلى جانب مليارات الدولارات التي أُنفقت في العراق، في ترسيخ حالة من الإرهاق تجاه العراق داخل واشنطن، ودفعته إلى التراجع في سلم أولويات صانعي السياسة. وتسود في بعض الأوساط داخل العاصمة الأميركية رواية مفادها أن الولايات المتحدة خسرت العراق بالفعل لصالح إيران، وأن استمرار الانخراط الأميركي فيه لم يعد يستحق العناء.
الواقع أكثر تعقيدا بكثير. وعلى الرغم من النفوذ العميق والمستمر لإيران، فإن العديد من العراقيين يدركون أن المستقبل الذي يسعون إليه يقع على المحور الغربي. إن المشاركة الأميركية المستدامة التي تجمع بين الضغوط والحوافز من شأنها أن تؤدي إلى تقدم حقيقي في تعزيز الدولة والاقتصاد العراقيين، فضلا عن تقويض النفوذ الإيراني الذي يستفيد من نقاط ضعف العراق. وهذه العلاقة تخدم المصالح الوطنية الأميركية والعراقية على حد سواء.



