العراقبيئةحكاياتمحليات

غرسة اليوم… ظلّ الغد.. متطوعون يزرعون الأشجار وينظفون دجلة لبناء ثقافة بيئية في صلاح الدين

في محافظة اعتادت أن تستيقظ على سماءٍ يغطيها الغبار، وعلى عواصف ترابية باتت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية، قرر عدد من شباب محافظة صلاح الدين أن يكتبوا حكاية مختلفة. لم ينتظروا مشروعا حكوميا، ولم يكتفوا بالشكوى من التصحر الذي يزحف عاما بعد آخر نحو مدن العراق، بل حملوا شتلات صغيرة، ومعاول بسيطة، وخرجوا إلى الأرض التي أنهكها الجفاف، ليزرعوا فيها ما هو أكثر من الأشجار… زرعوا الأمل.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

في كل حفرة تُفتح، كانت هناك رسالة تقول إن مواجهة التغير المناخي لا تبدأ بالقرارات الرسمية وحدها، بل بخطوة يتخذها إنسان يؤمن بأن غرس شجرة واحدة قد يغيّر شكل المكان بعد سنوات. هذه الحكاية تقودها سمر علي السلامي، مؤسسة ورئيسة فريق حملات الخير لمناصرة البيئة، الذي تحول خلال سنوات قليلة إلى واحد من أبرز الفرق التطوعية البيئية في محافظة صلاح الدين، جامعا عشرات المتطوعين حول هدف واحد: أن تبقى الطبيعة قادرة على التنفس.

ست سنوات من العمل… وحلم يكبر مع الأشجار

رغم أن فريق “حملات الخير لمناصرة البيئة” تأسس رسميا عام 2020، فإن فكرة المبادرات البيئية التي حملت هذا الاسم بدأت قبل ذلك بسنوات، واستمرت بالعمل المتواصل. ومع مرور الوقت، لم تعد المبادرات مجرد نشاطات موسمية أو حملات عابرة، بل تحولت إلى حركة تطوعية متكاملة يشارك فيها شباب وطلبة وأطفال وعائلات، يجتمعون حول هدف حماية البيئة وتحسين المشهد الطبيعي في المحافظة. وبين موسم وآخر، كان الفريق يضيف إلى رصيده عشرات حملات التشجير، وآلاف الشتلات التي غُرست في المدارس والحدائق والطرق العامة، في محاولة لخلق مساحات خضراء وسط بيئة تعاني من التصحر وارتفاع درجات الحرارة.

البيئة ليست أشجارا فقط

لم يحصر المتطوعون عملهم في زراعة الأشجار، بل وسعوا نشاطهم ليصل إلى المدارس والجامعات والساحات العامة، حيث نظموا حملات توعية وورشا تثقيفية لتعزيز الثقافة البيئية بين مختلف فئات المجتمع. كما أصبحت ضفاف نهر دجلة محطة ثابتة في برنامج الفريق، إذ ينظم المتطوعون حملات دورية لتنظيف النهر من النفايات والمخلفات التي تهدد مياهه وتشوه منظره، في محاولة للحفاظ على واحد من أهم الرموز الطبيعية في المحافظة. وكانت اللافتة في تلك المبادرات أنها لم تقتصر على أعضاء الفريق، بل تحولت إلى نشاط مجتمعي يشارك فيه الأهالي والأطفال والطلبة، حتى أصبحت حملات التشجير والتنظيف مناسبة يتشارك فيها الجميع المسؤولية تجاه المكان.

نريد أن نغيّر طريقة التفكير

تؤكد سمر علي السلامي، في حديث خاص مع “طريق 24″، أن الهدف لم يكن يوما زيادة عدد الأشجار فقط.

وتقول إن النجاح الحقيقي لا يُقاس بعدد الشتلات التي تُزرع، بل بعدد الأشخاص الذين تتغير نظرتهم إلى البيئة، فيصبحون أكثر حرصا على حمايتها والمحافظة عليها. وتضيف أن بناء ثقافة بيئية مستدامة هو المشروع الأكبر للفريق، لأن أي حملة تنتهي، لكن الوعي الذي تتركه في المجتمع يبقى قادرا على إنتاج مبادرات جديدة يقودها الناس بأنفسهم.

تكبر الأشجار ويكبر معها الشعور بالانتصار

بعد سنوات من العمل، عاد أعضاء الفريق إلى أماكن زرعوها بأيديهم من قبل، لكن المشهد هذه المرة كان مختلفا. الشتلات الصغيرة التي احتاجت يوما إلى من يسقيها ويحميها، أصبحت أشجارا باسقة تمد أغصانها فوق من يحتمي فيها، وتمنح المارة ظلا في أيام الصيف اللاهبة. وبالنسبة للمتطوعين، لم تعد تلك الأشجار مجرد نباتات. إنها ذاكرة، وشاهد حي على ساعات طويلة من العمل تحت الشمس، وعلى الإيمان بأن النتائج الكبيرة تبدأ بخطوات صغيرة.

كل شجرة تحمل قصة

تتحدث السلامي عن تلك اللحظات بنبرة يغلب عليها الفرح والامتنان وتقول: “كل شجرة زرعناها تحمل قصة. عندما أراها تكبر أشعر وكأنني أرى واحدا من أبنائي يكبر أمام عيني. لا أستطيع وصف هذا الشعور، لكنه يمنحني طاقة للاستمرار مهما كانت الصعوبات.” ثم تبتسم قبل أن تضيف ما يبدو للكثيرين أقرب إلى علاقة إنسانية مع الطبيعة: “قد يبدو الأمر غريبا للبعض، لكنني أشعر أن الأشجار تعرفنا. عندما أقترب من شجرة زرعتها، وأرى أغصانها تتمايل مع الهواء، ينتابني إحساس بأنها تفرح بوجودي، وكأنها تقول إن تعب السنوات لم يذهب هباءً. هذا الشعور يجعلني أؤمن أكثر بأن الإنسان والطبيعة بينهما علاقة أعمق مما نتخيل.”

معركة طويلة مع التصحر

ورغم ما تحقق، لا يرى أعضاء الفريق أنهم وصلوا إلى خط النهاية. فالتصحر ما يزال يزحف، والعواصف الترابية تتكرر، والنفايات ما تزال تهدد الأنهر والمساحات العامة، وهو ما يجعل العمل البيئي بالنسبة لهم مهمة مستمرة وليست مشروعا مؤقتا. ولهذا يواصل الفريق التخطيط لحملات جديدة للتشجير، وتنظيف ضفاف الأنهار، وتوسيع برامج التوعية داخل المدارس والجامعات، إيماناً بأن حماية البيئة مسؤولية تبدأ بالفرد قبل المؤسسة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى