
اعتبر المحلل السياسي محمد زنگنة أن الزيارة المرتقبة لرئيس مجلس الوزراء علي الزيدي إلى العاصمة الأمريكية واشنطن تمثل محطة مفصلية في رسم طبيعة العلاقة بين بغداد والإدارة الأمريكية خلال المرحلة المقبلة، مؤكدا أن نجاح الزيارة لن يقاس باللقاءات البروتوكولية أو الأوراق التفاوضية، وإنما بقدرة العراق على طرح مطالبه السيادية والاقتصادية والدفاع عنها بما يحقق مصالحه الوطنية.
وقال زنگنة، في حديث خصّ به “طريق24″، إن الولايات المتحدة الأمريكية تعد “عرابة العملية السياسية في العراق”، إلا أن ذلك لا يعني بقاء العراق في موقع التابع، بل إن المرحلة الحالية تتطلب أن يتحرك بصفته دولة ذات قرار مستقل، قادرة على إدارة علاقتها مع واشنطن على أساس المصالح المشتركة.
وأضاف أن الحكومة مطالبة باستثمار الزيارة لطرح رؤية متكاملة تركز على الملفات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الأزمة المالية المرتبطة بشح الدولار وارتفاع سعر صرفه، والتي انعكست، بحسب وصفه، بشكل مرهق على الأسواق والتجار والمواطنين، مشددا على ضرورة أن يكون هذا الملف من أولويات المباحثات مع الجانب الأمريكي.
وأشار المحلل السياسي إلى أن بغداد تستطيع كذلك استثمار الزيارة لمعالجة عدد من القضايا العالقة مع واشنطن، من بينها المطالبة بإنهاء الضغوط والتهديدات المرتبطة بملف الفصائل المسلحة، مقابل تقديم التزامات واضحة تؤكد احتكار الدولة للسلاح، ومنع أي كيانات اقتصادية عراقية من تمويل الجماعات المسلحة أو العمل إلى جانبها، فضلا عن اتخاذ خطوات عملية لملاحقة جميع التشكيلات المسلحة غير المرخصة والخارجة عن المنظومة الدفاعية الرسمية، بما يعزز ثقة المجتمع الدولي بمؤسسات الدولة.
ورأى زنگنة أن جدول أعمال الزيارة ينبغي أن يتضمن أيضا ملفات اقتصادية وسيادية أخرى، من بينها المطالبة برفع القيود التي تؤثر في حركة الملاحة الجوية والبحرية والبرية، والعمل على تحسين وضع الجواز العراقي، والإفراج عن الأموال العراقية المجمدة، إلى جانب السعي لرفع اسم العراق من القوائم التي ما يزال مدرجا فيها، بما ينعكس إيجابا على الاقتصاد الوطني وحركة الاستثمار والتبادل التجاري.
وأضاف أن القضية لا تتعلق بإعداد ورقة تفاوضية أو صياغة مجموعة من المطالب، وإنما بقدرة رئيس الوزراء علي الزيدي على طرح تلك الملفات بثقة وتحويلها إلى نتائج عملية تحقق مكاسب ملموسة للعراق.
وفي قراءته للبيئة السياسية المحيطة بالزيارة، قال زنگنة إن انتهاء الهدنة بين واشنطن وطهران قد يلقي بظلاله على المباحثات المرتقبة، لاسيما مع استمرار وجود فصائل مسلحة لم تسلم سلاحها إلى الدولة، وما تزال، بحسب قوله، توجه تهديدات للولايات المتحدة ودول الخليج، فضلا عن وجود جماعات مسلحة غير قانونية تستهدف المصالح الأمريكية داخل العراق وخارجه، وهو ما يجعل الملف الأمني حاضرا بقوة على طاولة الحوار.
وأوضح أن الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في مجال مكافحة الفساد قد تسهم في تحسين صورة العراق لدى الإدارة الأمريكية، رغم تشكيكه بفاعلية تلك الإجراءات، مبينا أنه يفترض حسن النية في هذا الملف، وأن أي خطوات حقيقية في مكافحة الفساد وترسيخ سلطة الدولة قد تفتح الباب أمام تغيير مهم في النظرة الدولية تجاه العراق.
وختم زنگنة حديثه بالإشارة إلى أن الإدارة الأمريكية تتابع عن كثب مسار الإصلاحات داخل العراق، معتبرا أن التصريحات التي أكدت عدم تعرض بغداد لضغوط إيرانية خلال زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بشأن ملف الفصائل المسلحة، تمثل مؤشرا على سعي الحكومة لإظهار استقلالية أكبر في قرارها السياسي، وهو ما قد يمنح رئيس الوزراء مساحة أوسع للمناورة خلال زيارته المرتقبة إلى واشنطن، إذا ما نجح في تحويل هذا التوجه إلى مواقف عملية ونتائج ملموسة.



