المنطقةسياسةعبر الحدود
أخر الأخبار

من ترومان إلى ترامب.. القصة الكاملة لنفوذ اللوبي الإسرائيلي في صناعة القرار الأمريكي

رحلة التأثير على الرؤساء وتوجيه بوصلة القرار

نشرت صحيفة الغارديان البريطانية تقريرا موسعا تناول أبرز ما جاء في كتاب “لوبي إسرائيل”  للباحثين إيان لوستيك وإيلي كليفتون، والذي يتتبع تطور نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل داخل الولايات المتحدة على مدى حوالي ثمانية عقود، ويستعرض التقرير الذي ترجمته “طريق24″، محطات مفصلية في تاريخ الإدارات الأميركية، من هاري ترومان إلى دونالد ترامب، وتأثير هذا النفوذ في قرارات السياسة الخارجية الأميركية، ولا سيما ما يتعلق بالشرق الأوسط والصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.

البداية من الرئيس هاري ترومان

يقول الكاتبان أنه في عام 1948، وبينما كانت الحرب مستعرة في فلسطين، وجد الرئيس الأميركي هاري ترومان نفسه محاصرا بين آراء متعارضة. فمن جهة، كانت هنالك جماعات الضغط الصهيونية والمستشارون السياسيون المحليون للرئيس، والذين كانوا يحثونه على دعم تأسيس دولة لليهود على أكبر قدر ممكن من المساحة الفلسطينية. وعلى الجهة الأخرى، كان هنالك كبار مسؤولي السياسة الخارجية والأمن القومي، بقيادة وزير الخارجية جورج سي مارشال حيث أوصوا بالإجماع بمنع إقامة هذه الدولة، معتقدين إنها قد تشعل فتيل الحرب في الشرق الأوسط وتهدد مستقبل العلاقات الأمريكية مع العرب والعالم الإسلامي.

وبحسب وصفهما، فباستثناء الرئيس الأول جورج واشنطن، ربما لم يحظَ أي قائد دبلوماسي أو عسكري في التاريخ الأميركي بسمعة في الوطنية والنزاهة والتفاني في أداء الواجب تضاهي تلك التي تمتع بها مارشال.  كان الرئيس ترومان يكنّ لوزير خارجيته تقديرا بالغا، إذ سبق أن تولّى مارشال رئاسة أركان القوات المسلحة الأميركية خلال الحرب العالمية الثانية، ووصفه رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بأنه “المنظم الحقيقي للنصر”. وبعد انتهاء الحرب، أطلق مارشال المبادرة الاقتصادية التي حملت اسمه لاحقًا، والمعروفة بـ”خطة مارشال”، لإعادة إعمار أوروبا.

وفي منتصف أربعينيات القرن الماضي، عمل جورج سي. مارشال بهدوء، ولكن بثبات، على معارضة مقترحات الحركة الصهيونية الرامية إلى إقامة دولة يهودية في فلسطين. وكان يخشى أن يؤدي الدعم الأميركي لهذا المشروع إلى منح الاتحاد السوفيتي فرصة لاستغلال الغضب العربي، وتعريض إمدادات النفط في الشرق الأوسط للخطر في حالة اندلاع حرب بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، فضلا عن احتمال اضطرار واشنطن إلى نشر قوات أميركية لم تكن متاحة آنذاك لمنع إراقة الدماء واحتواء حالة عدم الاستقرار في فلسطين. ولم تكن هذه المخاوف مقتصرة على مارشال وحده، بل كانت تمثل القناعة الراسخة لدى معظم كبار مستشاري الرئيس هاري ترومان في الشؤون العسكرية والسياسة الخارجية.

ويشير التقرير إلى أن الرئيس الأميركي هاري ترومان تأثر على الصعيد الشخصي بعمق، بمعاناة الناجين اليهود من نهج النظام النازي، لكنه في الوقت نفسه كان يشعر بالضيق، وأحيانا بالغضب الشديد، من الغطرسة المتواصلة التي مارسها الداعون إلى الاعتراف بقيام دولة يهودية في فلسط

الرئيس الأمريكي هاري ترومان يصافح وزير الخارجية جورج مارشال في واشنطن العاصمة، 29 أيار 1947

ين، ومن بينهم المنظمة الصهيونية العالمية ووفود يهودية عديدة، إلى جانب أصدقاء وسياسيين نافذين. ورغم استيائه الشخصي، لم يكن بمقدور الرئيس تجاهل هذه الضغوط، لا سيما أنها جاءت في عام انتخابي كان يستعد فيه لمواجهة حاكم ولاية نيويورك توماس ديوي، ما وضعه تحت ضغط سياسي بالغ وأوقعه في موقف شديد الحرج.

وفي وقت كانت فيه فلسطين غارقة في أتون حرب واضطرابات، والدول العربية تلوّح بالتدخل العسكري، وبريطانيا تستعد لمغادرة البلاد، دعا ترومان في 12  أيار 1948 إلى اجتماع ضم أبرز مستشاريه. ووفقا لرواية وزير الخارجية جورج سي. مارشال عن ذلك الاجتماع، فأنه قد حذّر الرئيس من تبنّي السياسة التي كان يدفع بها بقوة مستشاره السياسي الرئيسي كلارك كليفورد، والمتمثلة في الاعتراف بدولة إسرائيل قبل إعلان قيامها رسميا.

ورأى مارشال أن الإقدام على هذه الخطوة لن يكون سوى “مناورة مكشوفة لكسب بضعة أصوات انتخابية”، محذرا من أنها ستؤدي إلى “تقويض المكانة الرفيعة لمنصب رئيس الولايات المتحدة”. كما أبلغ ترومان صراحةً بأنه لن يتمكن، على المستوى الشخصي، من التصويت له إذا خضع للضغوط السياسية في هذه القضية. وتشير الروايات إلى أن ترومان، وقد بدا متأثرا بكلام وزير خارجيته، اختتم الاجتماع بإعلانه اتفاقه مع موقف مارشال.

لكن، وبعد أقل من يومين، ومع إدراكه الدقيق لهشاشة موقعه في البيت الأبيض، وخشيته من قدرة المؤيدين للحركة الصهيونية على تحويل أصوات ولاية نيويورك الانتخابية لصالح الحزب الجمهوري، أصدر ترومان أوامره باعتراف الولايات المتحدة بدولة إسرائيل.

أما اليوم بحسب ما يرى الكتاب، فقد بات نفوذ الجماعات التي يُشار إليها على نطاق واسع باسم “اللوبي المؤيد لإسرائيل”  أكثر قوة وتأثيرا من أي وقت مضى. فالمعضلة التي واجهها الرئيس هاري ترومان، والمتمثلة في الموازنة بين ما اعتبره مصلحة وطنية وبين الكلفة السياسية الداخلية لمواجهة جماعة ضغط نافذة، أصبحت تجربة تكررت مع كل رؤساء أمريكا خلال العقود اللاحقة.

وبالانتقال إلى الحاضر، فإن قرار الرئيس دونالد ترامب شنّ حرب على إيران في وقت سابق من هذا العام جاء بعد حملة إسرائيلية متواصلة هدفت إلى إقناع الولايات المتحدة بالانضمام إلى تلك العملية العسكرية الكارثية. كما اتُّخذ القرار رغم معارضة عدد من أبرز مستشاري ترامب، ورغم أن 45  بالمئة من الجمهوريين يحملون نظرة غير مؤيدة لإسرائيل. وقد يبدو هذا القرار، للوهلة الأولى، امتدادا لنهج صنع السياسات المتقلب الذي ميّز ولايتي ترامب الرئاسيتين، إلا أن التمعن في تجارب عدد من الرؤساء الأميركيين السابقين يشير إلى أن مثل هذه القرارات تمثل القاعدة أكثر من كونها استثناءً.

وفي الحقيقة، فأن معظم الرؤساء الأميركيين، من هاري ترومان إلى دونالد ترامب، رضخوا لمطالب إسرائيل ومناصريها كما يقول المؤلفان. وبدافع الخشية من تداعيات سياسية داخلية قد تهدد مواقعهم، عمد الرؤساء مرارا إلى رفض أو التخلي عن سياسات خارجية كانوا هم وكبار مستشاريهم يعدّونها تصب في المصالح العليا للولايات المتحدة، وهو ما جاء على حساب إحراز تقدم حقيقي نحو التوصل إلى تسوية سلمية للصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.

ويستعرض الكتاب أيضا مسار صعود ما يصفه المؤلفان بأنه أقوى جماعة ضغط في تاريخ السياسة الخارجية الأميركية. ويقول إن هذا اللوبي يتألف من شبكة واسعة من المنظمات والجماعات والأفراد الذين يدافعون عن سياسات أميركية تمنح الأفضلية الصريحة للمصالح الإسرائيلية، مشيرين إلى أن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة أسهمت في رعايته وتشجيعه وتوجيهه.

الرئيس الأمريكي جيرالد فورد يتحدث مع وزير الخارجية هنري كيسنجر في الاتحاد السوفيتي، 23 تشرين الثاني 1974

وبحسب الكاتبين، استفاد اللوبي من محدودية اهتمام معظم الناخبين الأميركيين أو ضعف معرفتهم بهذه القضية، مستخدما موارد ضخمة وتركيزا سياسيا مكثفًا لمكافأة أو معاقبة السياسيين، على مختلف المستويات، تبعا لمدى التزامهم بتوجهاته ودعمه لسياساته.

فعلى سبيل المثال، وبعد أكثر من عشرين عاما على أزمة ترومان، أطلق الرئيس الأميركي جيرالد فورد ما وصفه بـ”إعادة تقييم” للسياسة الأميركية في الشرق الأوسط. وكان فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر قد طرحا هذه المبادرة في محاولة للخروج من مأزق عامين من الإخفاقات المحرجة في إحراز تقدم نحو اتفاق سلام عربي–إسرائيلي شامل. وبحلول ذلك الوقت، كان كل من فورد وكيسنجر قد وصلا إلى درجة كبيرة من الاستياء بسبب ما اعتبراه تعنتا إسرائيليا ورفضا متواصلا لتقديم تنازلات.

وأُجريت عملية “إعادة التقييم” عبر لجنة من “الحكماء” شكّلها وزير الخارجية هنري كيسنجر، وضمّت مسؤولين أميركيين سابقين كانوا من أبرز أركان مؤسسة السياسة الخارجية الأميركية في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. وانتهت اللجنة، بإجماع أعضائها، إلى التوصية بممارسة ضغوط على إسرائيل للانسحاب من الضفة الغربية وقطاع غزة، تمهيدا للتوصل إلى سلام شامل، بالتعاون مع الاتحاد السوفيتي.

ويقول الكاتبين ان المؤشرات الواضحة على اعتزام الرئيس جيرالد فورد الأخذ بهذه التوصية دفعت أبرز منظمات اللوبي المؤيد لإسرائيل، مثل مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية الأميركية الكبرى ولجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية إيباك  AIPAC  إلى إطلاق حملة ضغط واسعة تمثلت أبرز نتائجها في رسالة صاغتها “إيباك” وسُلّمت إلى فورد، طالبت الرئيس بأن “يوضح بما لا يدع مجالا للشك أن الولايات المتحدة، انطلاقا من مصالحها الوطنية، تقف بثبات إلى جانب إسرائيل في السعي إلى السلام خلال المفاوضات المقبلة”، وقد حملت الرسالة توقيع 76 عضوا في مجلس الشيوخ الأميركي.

وكان الرئيس جيرالد فورد، بحسب ما يورده الكاتبان، “غاضبا إلى أقصى حد” مما اعتبره حملة إسرائيلية استُخدم فيها اللوبي المؤيد لإسرائيل لعرقلة الجهود الدبلوماسية. إلا أن هذا الغضب لم يترجم إلى مواجهة سياسية، إذ تراجع فورد أمام الضغوط.

ويقول الكاتبان إن فورد، حرصا على الحفاظ على فرصه في الفوز بالانتخابات الرئاسية في العام التالي، رفض التوصية التي أجمعت عليها لجنة “الحكماء”، وعاد إلى النهج التدريجي الذي كان يثير استياءه، والقائم على تقديم مزيد من المساعدات لإسرائيل مقابل استعادة أجزاء من شبه جزيرة سيناء، التي كانت إسرائيل قد احتلتها من مصر عام 1967، ثم إعادتها إلى القاهرة على مراحل.

كما يشير الكاتبان إلى أن فورد ووزير خارجيته هنري كيسنجر عملا، في نهاية المطاف، على توسيع نطاق وحجم الدعم الأميركي لإسرائيل بصورة غير مسبوقة. وشمل ذلك حزمة واسعة من الالتزامات السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية التي تعهدت بها الولايات المتحدة لإسرائيل بموجب مذكرة تفاهم أميركية–إسرائيلية، وُقعت في 1  أيلول 1975، وأُرفقت بها ملاحق سرية.

ووصف مساعدون لوزير الخارجية هنري كيسنجر الضمانات والتنازلات التي قدمتها واشنطن لإسرائيل خلال تلك المفاوضات بأنها “مذهلة” و “لا تُصدق ببساطة”. وفي مذكراته، كتب الرئيس جيرالد فورد بمرارة عن الرسالة التي أعدتها لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية “إيباك” ووقّعها نحو ثلاثة أرباع أعضاء مجلس الشيوخ، معتبرا أنها أجهضت خططه الدبلوماسية وألقت بظلالها على حملته الانتخابية.

وخسر جيرالد فورد بالفعل الانتخابات الرئاسية أمام جيمي كارتر.  وبحسب الكاتبين، كان اللوبي المؤيد لإسرائيل يأمل أن يتخلى كارتر، الذي حظي بتأييد 71  بالمئة من الناخبين اليهود، عن مساعيه لتحقيق سلام شامل في الشرق الأوسط، إلا أنه خيّب تلك التوقعات سريعا.

فقد جعل كارتر هدفه التوصل إلى معاهدة سلام تعالج القضايا الجوهرية للصراع العربي–الإسرائيلي. وفي ظل ارتفاع معدلات تأييده الشعبي، ووجود رأي عام أميركي بدا مستعدا لتأييد رئيس يتبنى حلولا عملية، أعلن كارتر في آذار 1977 قناعته بضرورة إقامة “وطن للفلسطينيين” باعتباره ركيزة أساسية لتحقيق السلام في الشرق الأوسط الذي كان يسعى إليه.

لكن اللوبي المؤيد لإسرائيل ردّ سريعا على مبادرة جيمي كارتر، مطلقا حملة واسعة لمعارضتها. وبحسب الكاتبين، تلقّى كارتر في أوائل حزيران 1977 مذكرة سرية من 50  صفحة أعدّها كبير مستشاريه للشؤون السياسية الداخلية، حذّره فيها من أنه قد يواجه تداعيات سياسية خطيرة، من بينها احتمال الإخفاق في الحصول على ترشيح حزبه لولاية رئاسية ثانية، نتيجة معارضة اللوبي لطرحه العلني فكرة إقامة وطن للفلسطينيين. ورغم هذه التحذيرات، واصل كارتر تمسكه بموقفه، ووجّه خلال اجتماع في المكتب البيضاوي انتقادات مباشرة لما وصفه بتزايد تشدد مواقف رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين. كما كانت خلافاته مع مناحيم بيغن، الذي تولّى رئاسة الحكومة الإسرائيلية في أيار 1977، أكثر حدة. وفي الوقت نفسه، كثّف كارتر اتصالاته مع القيادات المصرية والسورية والفلسطينية في إطار مساعيه لدفع عملية السلام.

وفي تشرين الأول 1977، أصدر وزير الخارجية الأميركي سايروس فانس ونظيره السوفيتي أندريه غروميكو بيانا مشتركا تعهّد فيه البلدان بالعمل على تحقيق “تسوية عادلة ودائمة للصراع العربي–الإسرائيلي في أقرب وقت ممكن”.

ورغم أن إدارة جيمي كارتر كانت تتوقع معارضة لسياستها في الشرق الأوسط، فإنها فوجئت بحجم رد الفعل الغاضب، الذي بلغ حدّ الهيجان، سواء من الحكومة الإسرائيلية أو من اللوبي المؤيد لإسرائيل، تجاه البيان الأميركي–السوفيتي.

أنور السادات وجيمي كارتر ومناحيم بيغن عقب توقيع معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل في 26 آذار 1979

وأمام مخاوفه من التداعيات السياسية، طلب كارتر عقد اجتماع مع وزير الخارجية الإسرائيلي موشيه ديان في نيويورك. وينقل الكاتبان عن مستشار الأمن القومي الأميركي آنذاك زبيغنيو بريجينسكي، الذي حضر اللقاء، قوله إن ديان “ابتز الرئيس فعليا” عندما أبلغه بأنه إذا لم يحصل على ضمانات بأن الولايات المتحدة ستعارض قيام كيان فلسطيني مستقل في الضفة الغربية، وستواصل تقديم المساعدات الاقتصادية والعسكرية لإسرائيل، فإنه سيضطر إلى إعلان الموقف الأميركي أمام الرأي العام في الولايات المتحدة، مضيفا: “يمكنني أن أتوجه إلى اليهود الأميركيين”. ويخلص الكاتبان إلى أن كارتر، في مواجهة هذا التهديد، تراجع عن موقفه.

في اليوم التالي، أصدر سايروس فانس وموشيه ديان بيانا مشتركا لخّص ما ورد في ورقة عمل أميركية–إسرائيلية أُعدّت خلال الساعات الأولى من الصباح. وأكد البيان أن المفاوضات ستُقلَّص بشكل كبير، وأن قضية إقامة وطن للفلسطينيين لن تُطرح بوصفها محورا أساسيا في عملية التفاوض. وانتهى المسار إلى ما عُرف بـ”السلام المنفصل” بين إسرائيل ومصر، وهو الاتفاق الذي منح جيمي كارتر ومناحيم بيغن وأنور السادات جائزة نوبل للسلام، لكنه أدى أيضا إلى عزل مصر عربيا، وانتهى باغتيال السادات.

كما مهّد هذا المسار الطريق أمام الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982، ومشروعات الاستيطان التي أفضت إلى فرض إسرائيل سيطرة فعلية على الضفة الغربية وقطاع غزة. ومن المرجح أيضا أن الرئيس الأميركي جورج بوش الأب شعر، بعد 13  عاما، بما كان قد شعر به جيمي كارتر عندما واجه معارضة شرسة من اللوبي المؤيد لإسرائيل لمبادراته الرامية إلى تحقيق السلام العربي–الإسرائيلي، فعبّر علنا عن استيائه من نفوذه.

وفي محاولة لم تُكلل بالنجاح لتعزيز فرص انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، علّق بوش ضمانات قروض أميركية تعادل قيمة ما كانت إسرائيل تنفقه على مشاريع الإسكان في الأراضي المحتلة، الأمر الذي أثار حملة معارضة عنيفة من اللوبي المؤيد لإسرائيل. وخلال مؤتمر صحفي، تحدث بوش بصراحة عن حجم استيائه من تلك الضغوط. وقال بوش خلال المؤتمر الصحفي: “نحن نواجه جماعات قوية وفعالة للغاية، في بعض الأحيان، تتحرك في أروقة الكابيتول. وقد سمعت اليوم أن هناك نحو ألف جماعة ضغط تعمل هناك لصالح الطرف الآخر في هذه القضية، بينما ليس لدينا هنا سوى شخص واحد وحيد يقوم بهذه المهمة.”

وبرزت قدرة اللوبي المؤيد لإسرائيل على إحباط المبادرات الرئاسية للسلام بصورة لافتة مرة أخرى خلال إدارة الرئيس باراك أوباما.  فلم يدخل أي رئيس أميركي قبله إلى البيت الأبيض وهو يمتلك هذا القدر من المعرفة بتفاصيل الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، أو هذا السجل من الانخراط الشخصي مع كل من اليهود والفلسطينيين، أو هذا الالتزام المستمر بتعزيز العلاقات الأميركية مع العرب والمسلمين.

وتبنّى أوباما بصورة كاملة حل الدولتين، وأطلق مبادرة سلام حظيت باهتمام واسع، على أن تبدأ بفرض تجميد شامل للاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، باعتباره الخطوة الأولى لإحياء عملية السلام.

لكن موجة الغضب التي اندلعت في إسرائيل وبين قادة اللوبي المؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة، إلى جانب الخلاف العلني الذي تفجّر بين باراك أوباما وبنيامين نتنياهو، كانت أكثر كلفة على أوباما منها على نتنياهو. وسرعان ما غيّر أوباما مساره، إذ استبدل عمليا مبعوثه لعملية السلام جورج ميتشل، الذي كان يُنظر إليه على أنه أكثر تفهما للموقف الفلسطيني، بـدينيس روس، المعروف بقربه من اللوبي المؤيد لإسرائيل. وسرعان ما تبنى أوباما نصيحة روس بالتخلي عن تلك الجهود.

أوباما يصل برفقة نتنياهو ومحمود عباس للإدلاء ببيان محادثات السلام في 1 أيلول 2010

وبدلا من ممارسة ضغوط على إسرائيل لوقف الاستيطان، أجرى أوباما اتصالا هاتفيا بالرئيس الفلسطيني محمود عباس، هدده فيه بوقف 450  مليون دولار من المساعدات الأميركية المقدمة للفلسطينيين، إذا لم يسحب مشروع قرار مناهض للاستيطان كان مطروحا أمام مجلس الأمن الدولي. وفي خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة خلال السنة الأولى من ولايته الثانية، أجرى أوباما تحولا ملحوظا في خطابه مقارنةً بكلماته السابقة أمام المنظمة الدولية. فبدلا من انتقاد الاستيطان الإسرائيلي والدفع نحو حل الدولتين، ركّز على التضامن مع ضحايا الهجمات الفلسطينية “الإرهابية” في إسرائيل، وعارض أي تحرك في الأمم المتحدة يتعارض مع إصرار إسرائيل على أن تتم المفاوضات مباشرة بين الطرفين، كما ندّد بأي تشكيك في شرعية إسرائيل بوصفها دولة يهودية.

يمكن استنتاج أسباب تراجع باراك أوباما بصورة واضحة من مذكراته “أرض الميعاد A Promised Land”، إذ يشتكي فيها من قدرة لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية” إيباك” على إخضاع السياسيين الأميركيين للضغوط، من خلال إثارة المخاوف من اتهامهم بمعاداة السامية. كما أشار أوباما إلى أنه كان يشعر بأنه أكثر عرضة لمثل هذه الضغوط، واصفا نفسه بأنه “رجل أسود يحمل اسما مسلما، وعاش في الحي نفسه الذي كان يقيم فيه لويس فرخان”.

وفي الآونة الأخيرة، وجد اللوبي المؤيد لإسرائيل في جو بايدن رئيسا يؤمن بالفعل بأن إسرائيل تستحق “العلاقة الخاصة” التي تربطها بالولايات المتحدة. غير أن قوة هذا الالتزام وُضعت على المحك بعد الهجمات التي نفذتها حركة حماس وحركة الجهاد الإسلامي في 7  تشرين الأول 2023، وما أعقبها من رد إسرائيلي. وقد ثبت بايدن سياسيا على قناعة، طالما رددها اللوبي المؤيد لإسرائيل، مفادها أن أي “تباعد” بين واشنطن وتل أبيب، من شأنه أن يشجع الموقف العربي على التمادي او التشديد. كما ظل يتذكر الثمن السياسي الذي دفعه باراك أوباما عندما حاول انتهاج سياسة أكثر صرامة تجاه إسرائيل. لذلك، رفض بايدن جميع التوصيات التي قدمها كبار مستشاريه لاتخاذ خطوات مؤثرة من شأنها وقف الهجوم الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة.

وحين أبدى اعتراضات محدودة على ارتفاع أعداد الضحايا المدنيين، وأقرّ تأخيرا طفيفا في إمداد إسرائيل ببعض الأسلحة الأميركية، سارع الائتلاف الجمهوري اليهودي إلى مهاجمة إدارته، متهما إياها بإحداث “تباعد” في العلاقات الأميركية–الإسرائيلية، بينما وزعت لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية مذكرة مفصلة على أعضاء الكونغرس دافعت فيها عن الإجراءات الإسرائيلية، معتبرةً أنها كانت محدودة وضرورية، وصُممت للحد من الخسائر في صفوف المدنيين.

وتُظهر تجارب هذه الإدارات، بحسب هذا التقرير الذي يتناول الكتاب، ما تصفها بالحكمة والبصيرة الاستثنائية لأول رئيس للولايات المتحدة، جورج واشنطن. ففي خطاب الوداع الذي ألقاه، حذّر واشنطن من أن نظام الحكم الأميركي قد يصبح عرضة للاستغلال من قبل جماعة ترتبط بـ”ولاء عاطفي شديد” تجاه دولة أجنبية. ورأى واشنطن أن النظام الأميركي صُمم على أساس توازن القوى بين الجماعات المختلفة للحد من نفوذ الفئات التي تحركها مصالحها الخاصة أو رؤى ضيقة. إلا أنه اعتبر أن أي جماعة تضع مصالح دولة أخرى في مقدمة أولوياتها لن تجد بطبيعة الحال معارضة داخلية فعالة تكبح نفوذها، وهو ما قد يدفع الولايات المتحدة إلى التزامات خارجية مبالغ فيها وخطيرة، ويزج بها في نزاعات وحروب تتعارض مع مصالحها الوطنية.

في أعقاب الإبادة الجماعية، شهدت السياسة الأميركية تجاه هذه القضية تحولا ملحوظا، مع تزايد ردود الفعل الغاضبة بين الأميركيين إزاء العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة ولبنان والضفة الغربية. ودفع كل من جو بايدن وكامالا هاريس ثمنا سياسيا باهظا نتيجة انحيازهما لإسرائيل ولوبيها. إذ قال نحو ثلث الناخبين الذين صوّتوا لبايدن في انتخابات 2020  ولم يصوّتوا لهاريس في 2024  إن إنهاء العنف الإسرائيلي في غزة كان القضية الأهم التي أثرت في قراراتهم الانتخابية.

كما أن التأييد لإسرائيل تراجع بشكل حاد داخل الحزبين الرئيسيين، إذ يحمل 60  بالمئة من الأميركيين نظرة غير مؤيدة لإسرائيل، في حين يحقق عدد غير مسبوق من منتقدي إسرائيل الفوز في الانتخابات التمهيدية للكونغرس.

لكن هذه الخسائر لم تردع إسرائيل أو اللوبي المؤيد لها عن مواصلة العمل لإثناء دونالد ترامب عن وعوده التي أطلقها خلال حملته الانتخابية عام 2024  بتجنب خوض حروب في الشرق الأوسط، والسعي إلى توثيق العلاقات بين الجيشين الأميركي والإسرائيلي بصورة أكبر، وإنفاق ملايين الدولارات لعرقلة صعود منتقدي إسرائيل إلى مواقع النفوذ السياسي.

ورغم كل ما تقدم، إلا إن الرؤساء الأميركيين يمتلكون حرية اتخاذ القرار: فقد ضمّت إدارة جورج دبليو بوش مسؤولين كانوا منسجمين أيديولوجيا إلى حد كبير مع اليمين الإسرائيلي. أما الرئيس دونالد ترامب الذي يصفه الكاتبين بـ”المفتقر للكفاءة وسهل التأثر”، فيتحمل المسؤولية عن الرضوخ للضغوط الإسرائيلية وجرّ الولايات المتحدة إلى أحدث الحروب.

ويرى الكاتبان أنه ما لم تتمكن جماعات أخرى من التحرك بحرية، ومن دون التعرض لتهديدات باتهامات معاداة السامية، فإن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط ستظل تعاني من اختلال خطير.

ومن أجل حماية المصالح الأميركية وتعزيزها في الخارج، وصون الحريات داخل الولايات المتحدة، يجب على الأميركيين إلى التكاتف لمنع أي دولة أجنبية من امتلاك النفوذ الذي مارسته إسرائيل على السياسة الأميركية والنقاش العام، سواء بصورة مباشرة أو عبر الجماعات التي تعمل دفاعا عن مصالحها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى