
تبحث عوائل عراقية عن طريقة لتعليم أبنائها من دون استنزاف ما تبقى من دخلها بعد الإيجار والطعام والعلاج والكهرباء وسائر المصاريف. فأجور المعاهد والدروس الخصوصية تضعها أمام خيارات قاسية، دفع مبالغ تفوق قدرتها، أو تولي التدريس في المنزل، أو ترك الأبناء يواجهون صعوبات الدراسة بما يتوفر من ملازم وشروحات مجانية على الإنترنت.
وتكشف شهادات جمعتها “طريق 24” عن أسر تتحمل أعباء تعليمية ومالية إضافية لتعويض ما تصفه بنقص الشرح والمتابعة داخل بعض المدارس الحكومية، فيما تثير الأسعار المرتفعة للتعليم الخاص أسئلة عن الرقابة على الأجور، وعن فرص الطلبة الذين لا تستطيع عائلاتهم شراء ساعات إضافية من التعليم.
الراتب للإيجار.. والدروس على يوتيوب
تقول روان مصعب إن كلفة الدروس الخصوصية أصبحت صعبة على كثير من العوائل، وإن أسرتها تعتمد على ما تستطيع توفيره من بدائل لتدريس أبنائها.
وتضيف: “صعبة علينا لأن الأغلب يأخذ مبالغ كبيرة، ونحن نعيش على الملازم ومقاطع يوتيوب، ونقوم بتدريس أبنائنا بأنفسنا ونتعب معهم، وهذا الذي نستطيع عليه في الوقت الحالي”.
وتختصر عبارتها جهدا تتحمله الأسرة خارج ساعات المدرسة، إذ يصبح على الأهل متابعة المناهج وفهمها وشرحها، والبحث عن إجابات لما يعجز الأبناء عن استيعابه. وهي مهمة تتطلب وقتا ومعرفة، فضلا عن القدرة على المواظبة، ما يجعل البديل المنزلي نفسه متفاوتا من عائلة إلى أخرى.
أما أم علي، فتربط اعتمادها على الشروحات المجانية مباشرة بأولويات المعيشة، قائلة: “وضعنا المادي صعب والراتب يذهب للإيجار والمصاريف. أفتح يوتيوب وأدرس أولادي، كل شيء موجود في يوتيوب، فلماذا أدفع أجور دروس خصوصية؟”.
بالنسبة إليها، لا توجد مساحة مالية تسمح بإضافة أجور جديدة. فالمبلغ الذي قد تدفعه أسرة ميسورة لتعزيز مستوى أحد أبنائها، ينافس لدى أسرة أخرى نفقات السكن والاحتياجات اليومية.
سوق تستثمر في الخوف من التعثر
انتشرت خلال السنوات الأخيرة معاهد التقوية والدورات التعليمية التي تجمع مدرسين لمواد مختلفة، وتبدأ دورات كثيرة منها خلال العطلة الصيفية، استعدادا للعام الدراسي المقبل، ولا سيما للصفوف المنتهية والامتحانات الوزارية.
وتجد هذه السوق طلبا من أسر تخشى تعثر أبنائها أو ضياع فرصهم في الحصول على معدلات مرتفعة. لكن الحاجة إلى الدعم الدراسي تتحول، مع الأجور الكبيرة، إلى عبء يصعب رفضه على من يعتقد أن مستقبل ابنه يتوقف عليه.
وتتناول تقارير عن الموضوع أجورا تصل إلى مليون دينار، تحت عنوان “سعر الدرس الواحد مليون دينار”.
وتطرح هذه المستويات من الأجور سؤالا عن الأسس التي تعتمدها الجهات التعليمية الخاصة في التسعير، وما يقابل المبالغ المطلوبة من ساعات تدريس وأعداد طلبة وخدمات فعلية، وحدود الرقابة التي تحمي الأسرة من دفع كلف لا تتناسب مع ما تحصل عليه. وبالإضافة إلى ذلك، فأن المبالغ هذه بحد ذاته مبالغ فيها وغير طبيعية.
فكلما أصبح الشرح الكافي خدمة إضافية مدفوعة، اتسعت المسافة بين طالب يستطيع تكرار الدرس والحصول على متابعة مباشرة، وآخر يكتفي بما فهمه داخل الصف أو يبحث عن شرح يناسبه على شاشة هاتف.
سيما.. لماذا تخاف داخل المدرسة؟
ولا تتوقف مخاوف الأهالي عند الأسعار. فإحدى الأمهات تروي لـ”طريق 24″ تجربة ابنتها سيما، الطالبة في الصف الثاني الابتدائي، التي لاحظت تراجع مستواها داخل المدرسة رغم قدرتها على القراءة والكتابة في المنزل، بحسب قولها.
وتوضح أنها راجعت إدارة المدرسة، فأبلغها المدير بأن ابنتها ضعيفة جدا، واقترح الاستعانة بمعلمة خصوصية تدرّس الطلبة في منزلها.
وتقول الأم إنها استغربت هذا التقييم، لأنها تتابع ابنتها وتعرف مستواها، مشيرة إلى أن سيما تظهر خوفا داخل المدرسة يؤثر في أدائها. وبعد إبلاغ المدير بذلك، طلب منها مناقشة الأمر مع معلمة ابنتها خلال اجتماع أولياء الأمور.
وبحسب روايتها، اقترحت معلمات خلال الاجتماع أيضا إدخال سيما في دروس خصوصية لدى معلمة المادة نفسها. وترى الأم أن تكرار هذه المقترحات وإلحاح الإدارة والكادر أثارا لديها شكوكا بأن الضغط على ابنتها قد يكون مقصودا لدفع الأسرة إلى التسجيل.
وتؤكد الأم أن مطلبها هو حصول ابنتها على التعليم والمتابعة داخل المدرسة، من دون أن يصبح دفع أجور إضافية شرطا للاطمئنان إلى مستواها.
أقساط ومبالغ تسبق الدراسة
ويمتد العبء إلى المدارس الأهلية، حيث لا يقتصر ما تدفعه بعض العائلات على القسط الدراسي.
وتقول سرى الدليمي إن الأسعار مرتفعة بصورة تفوق قدرة كثير من الأسر، موضحة أن قسط الصف الثاني المتوسط في المدرسة التي وجدتها الأنسب سعرا يبلغ 800 ألف دينار، إضافة إلى 250 ألف دينار تطلب مقدما للزي والكتب.
وبحسب الأرقام التي ذكرتها، تصل الكلفة إلى مليون و50 ألف دينار، من دون احتساب أي مصاريف أخرى قد تحتاجها الأسرة خلال الدراسة. وتتضاعف صعوبة هذه الحسابات عندما تضم العائلة أكثر من طالب، فيما يبقى دخلها موزعا على التزامات معيشية ثابتة.
كلفة النقص الحكومي تدفعها الأسرة
ويفسر جاسم عيدان، والد أحد الطلبة، لجوء العائلات إلى المعاهد بنقص الكوادر التعليمية في بعض المدارس الحكومية، وكثافة أعداد الطلبة وضغط المناهج.
ويقول إن بعض الطلبة لا يستطيعون استيعاب المادة بالشكل الكافي داخل الصف، خصوصا مع ارتفاع أعدادهم، ما يدفع أسرهم إلى تسجيلهم في المعاهد للحصول على شرح إضافي، رغم ما يضيفه ذلك إلى مصاريفها.
وتوضح شهادته كيف تنتقل كلفة القصور داخل المدرسة إلى ميزانية المنزل: فالأسرة مطالبة بتمويل الشرح الذي افتقده الطالب، أو توفيره بجهدها الخاص. وتكون العوائل محدودة الدخل أقل قدرة على تعويض هذا النقص، مهما بلغ حرصها على تعليم أبنائها.
وتكشف هذه التجارب أن معالجة المشكلة تتطلب فحص ما يتلقاه الطالب داخل المدرسة، إلى جانب متابعة أجور المعاهد والدروس الخاصة وشفافية خدماتها. فبالنسبة إلى روان وأم علي ووالدة سيما، يبدأ الإنصاف من صف يوفر شرحا كافيا ومتابعة حقيقية، ويمنح أبناءها فرصة للتعلم لا تتوقف على ما يبقى في جيوب الأسرة آخر الشهر.



