العراقسياسةمحليات
أخر الأخبار

ولاءات خارجية تطعن الانتماء الوطني.. مواقف تستحق المساءلة

يستفيدون من خيرات العراق، ثم يعلنون بلا خجل استعدادهم للوقوف مع دولة أخرى إذا خاضت حربا ضده. بهذه المواقف، يكشف أصحاب الولاء للخارج عن استخفاف ببلدهم وأرواح مواطنيه، ويضعون أنفسهم أمام سؤال مباشر: كيف تطلبون حقوقكم وامتيازاتكم من العراق، وتتباهون باستعدادكم للوقوف مع من يحاربه رغم أن خيار الحرب هي فكرة افتراضية بعيدة جدا عن الواقع؟

وتزداد فجاجة هذا الخطاب عندما يصدر عمن يستفيد من قربه من السلطة ومراكز القرار، ويستمد مكانته من الدولة التي يعلن استعداده للوقوف ضدها. وهو ما يطرح أسئلة عن الثقة بأصحاب هذه المواقف وأهليتهم لتمثيل العراقيين، وعن أثر تقديم الولاءات الخارجية على الانتماء الوطني وأمن المجتمع.

وفي حديثين لـ”طريق 24″، يوضح الخبيران القانونيان إبراهيم السلطاني وعباس العقابي حدود المسؤولية القانونية عن هذه التصريحات، والحالات التي تتحول فيها إلى جرائم تستوجب المحاسبة، مع التحذير من خطورة التحريض ودفع الآخرين إلى القتال ضد العراق.

وطن للمنافع.. وولاء عند الآخرين

تكشف هذه التصريحات عن خلل في فهم العلاقة بالوطن، حين يجري التعامل مع العراق بوصفه مصدرا للرواتب والمخصصات والمناصب، فيما تذهب الأولوية السياسية والعاطفية إلى دولة أخرى، حتى لو دخلت في حرب معه.

ويضع هذا السلوك أصحابه أمام مساءلة تتعلق بصدقية ادعائهم تمثيل الناس والدفاع عن مصالحهم. فمن يعلن انحيازه المسبق لدولة قد تحارب العراق، يطالب العراقيين عمليا بمنحه الثقة رغم استعداده للتخلي عنهم في أخطر الظروف.

وتصبح هذه الازدواجية أكثر استفزازا إذا اقترنت بالنفوذ والامتيازات، إذ يستفيد صاحبها من موقعه داخل الدولة، ثم يقدم أمنها وسلامة مواطنيها قربانا لولائه الخارجي. وهو موقف قبيح وفقا للمعايير الوطنية السوية، ولا تمنحه الشعارات الحزبية أو العقائدية مبررا أخلاقيا.

ويمتد النقد إلى كل طرف يتبنى هذا المنطق، مهما كانت الدولة التي ينحاز إليها. فرفض تقديم الخارج على العراق يفقد صدقيته عندما يستخدم ضد الخصوم ويجري تجاهله لدى الحلفاء.

التصريح المجرد لا يكفي لإثبات الجريمة

ويقول الخبير القانوني إبراهيم السلطاني إن إعلان بعض العراقيين استعدادهم للوقوف مع دولة أخرى في حال خوضها حربا مع العراق لا يعني، بمجرده، ارتكاب جريمة اكتملت أركانها.

ويوضح أن هذه التصريحات قد تبقى، بصورتها المجردة، في نطاق مواقف سياسية تستخدم للاستفزاز أو إثارة الشارع، مشيرا إلى أن الموقف القانوني يتغير عندما تتحول الأقوال إلى أفعال يجرمها القانون.

وبيّن أن وقوع حرب والتحاق شخص عراقي بصفوف الدولة الأجنبية للقتال ضد العراق ينقل الواقعة إلى نطاق الجرائم الماسة بأمن الدولة، بعدما تحول الانحياز المعلن إلى مشاركة فعلية.

وأكد السلطاني أن عدم تحقق الجريمة في التصريح المجرد لا يعني أن جميع الأقوال محمية تحت عنوان حرية التعبير، إذ يمكن أن تنشأ مسؤولية قانونية عندما تتجاوز التعبيرات الحدود المسموح بها وتندرج ضمن أفعال مجرمة.

استهداف الانتماء والرموز الوطنية

وتتجاوز خطورة هذا الخطاب استفزاز الجمهور إلى إضعاف الرابطة الوطنية، حين يقدم الولاء للخارج بوصفه التزاما أعلى من مسؤولية الفرد تجاه بلده ومواطنيه.

فإعلان الاستعداد للوقوف ضد العراق قد يرسخ لدى المتلقين والجيل الشاب أن الانتماء الوطني قابل للتعليق متى تعارض مع موقف الحزب أو الجماعة أو الدولة التي يؤيدونها. ومع تكرار هذا المنطق، يصبح الدفاع عن مصلحة العراق موضع تشكيك، ويطلب من المواطن تبرير تمسكه ببلده.

وفي نقد منشور لهذه الظاهرة، تتناول مقال بعنوان “هل أصبح الولاء لدولة أخرى هوية فرعية في العراق؟” انتقال النقاش أحيانا من مصلحة العراق إلى الدفاع عن مصالح دولة أخرى، محذرا من تقدم المرجعيات الفرعية على الدولة والانتماء الوطني.

ويطال هذا المنطق الرموز الوطنية أيضا، عندما تقاس قيمة العلم والذاكرة المشتركة وتضحيات العراقيين بمدى انسجامها مع الولاءات الخارجية. فالانتقاص مما يجمع المواطنين يضعف قدرتهم على حماية مصالح مشتركة، ويفتح المجال أمام انقسامات تتجاوز الخلاف على إدارة الدولة إلى الموقف من وجودها وسيادتها.

القتال مع دولة تحارب العراق يستوجب العقاب

من جهته، يقول الخبير القانوني عباس العقابي إن التحاق مواطن بصفوف القوات المسلحة لدولة في حالة حرب مع العراق يدخل ضمن الجرائم المرتبطة بأمن الدولة، مشيرا إلى أن القانون يقرر عقوبة الإعدام لهذه الحالة.

وتنص المادة 157 من قانون العقوبات العراقي على معاقبة المواطن الذي يلتحق بصفوف العدو أو بالقوات المسلحة لدولة في حالة حرب مع العراق بالإعدام. ويتعلق النص بفعل محدد تتوافر شروطه القانونية، ولا يطبق تلقائيا على كل تصريح بشأن حرب افتراضية.

ويوضح العقابي أن إعلان موقف مشروط بوقوع حرب في زمن السلم لا يشكل بمفرده الحالة القانونية نفسها التي تنشأ عند وقوع الحرب واقتران الأقوال بأفعال دعم أو دفع الآخرين إلى القتال ضد العراق.

لكنه يحذر من تأثير هذه التصريحات في الشباب والمواطنين، عبر تشجيعهم على تبني الموقف ذاته، مؤكدا ضرورة التنبيه إلى خطورتها واحتمال انتقالها إلى التحريض.

ويشير إلى المسؤولية القانونية التي تترتب على تحريض شخص آخر على ارتكاب جريمة تقع بناء على ذلك التحريض.

حرية التعبير لا تمنح حصانة مطلقة

وبشأن دور المؤسسات المختصة، يؤكد الخبير السلطاني أهمية تدخل الادعاء العام عندما تتوافر عناصر فعل مجرم يمس أمن الدولة أو مصالحها، مشددا على دوره في تحريك الشكاوى ومتابعة الأفعال التي تستوجب المساءلة.

ويضيف أن كفالة حرية التعبير لا تعني إباحة كل ما يقال، وأن مخالفة التعبيرات للنظام العام والقوانين قد تضعها ضمن نطاق المساءلة متى انطبق عليها نص تجريمي.

وتكفل المادة 38 من الدستور العراقي حرية التعبير عن الرأي بمختلف الوسائل، بما لا يخل بالنظام العام والآداب. ويظل التكييف القانوني لأي تصريح مرتبطا بمضمونه وسياقه والنصوص المنطبقة عليه.

كما لا تنحصر المسؤولية القانونية في المشاركة الفعلية بالقتال، إذ يتضمن قانون العقوبات نصوصا خاصة ببعض صور التحريض ولو لم يترتب عليها أثر، فضلا عن القواعد العامة للاشتراك في الجريمة. ولذلك لا يصح اعتبار جميع الأقوال مباحة بصورة مطلقة، أو الجزم بتجريمها من دون فحص الواقعة.

ومن المثير حقا أن هذا الخطاب لا يلقى من هيئة الاعلام والاتصالات اي اجراءات رادعة، في وقت تنشغل تحت إدارة رئيسها بمعاقبة وحظر ظهور صحفيين واعلاميين ومحليين لا يصلون بخطابهم إلى هذا المستوى الذي يدعو المواطنين للتخلي عن وطنهم ووطنيتهم.

تهديد للثقة والأمن الداخلي

ويثير تطبيع إعلان الوقوف مع الخارج ضد العراق مخاوف تتعلق بالثقة داخل المجتمع، خصوصا حين يتحول إلى خطاب يستقطب المؤيدين ويشجعهم على تبني الانحياز نفسه.

فتكرار هذه المواقف يمكن أن يغذي الشكوك بشأن التزام أصحابها بالمصلحة العامة، ويجعل المواطنين يتساءلون عمن سيؤتمن على أمنهم وقرارهم عند الأزمات، وما إذا كانت مواقع النفوذ تستخدم لخدمة العراق أم لتقديم مصالح أخرى عليه.

ويزداد الضرر عندما ينقل هذا الخطاب صراعات الدول إلى العلاقات داخل المجتمع، فيتعامل العراقيون بعضهم مع بعض وفق مواقفهم من الخارج، وتتراجع مصالحهم اليومية وأمنهم المشترك أمام خصومات لا يملكون قرارها.

ولا يشترط الرفض الشعبي انتظار صدور حكم قضائي، فللمواطنين حق مساءلة أصحاب هذه التصريحات، وحجب التأييد والأصوات عنهم، ورفض منحهم شرعية تمثيل مصالح العراقيين.

وتتيح المقاطعة السياسية والانتخابية السلمية التعبير عن هذا الرفض، مع إبقاء تقرير الجرائم والعقوبات من اختصاص القضاء. كما تضع الأحزاب والجهات الداعمة أمام مسؤوليتها عن المواقف التي تصدر عن ممثليها، بدلا من تجاوزها أو تبريرها باعتبارها تصريحات عابرة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى