
حين وصلت المرأة الشابة إلى أخصائية العلاج الطبيعي رحمة فلاح، كانت ساقها شديدة الانتفاخ وبدت أقصر من الأخرى، إلى درجة جعلت رحمة تعتقد، للوهلة الأولى، أنها مبتورة. كانت المريضة تعاني كسوراً خطيرة ومضاعفات أصابت الأعصاب، بعدما رفضت عيادات استقبال حالتها، لكنها استطاعت بعد شهرين من العلاج والتأهيل استعادة شكل ساقها والوقوف والمشي مجددا.
لا تختصر هذه الحالة قصة امرأة استعادت قدرتها على المشي فحسب، بل تكشف جانباً من أهمية العلاج الطبيعي ما يزال غائبا عن كثيرين، وسط مفاهيم تختزله في التدليك أو علاج آلام العضلات والمفاصل.
وفي حديثها لـ”طريق 24″، تروي رحمة تفاصيل الحالة وتفتح ملف المفاهيم الخاطئة المحيطة باختصاصها، موضحة أن العلاج الطبيعي لا يقدم حلولا سريعة أو جلسات عابرة، بل يعتمد على التقييم العلمي وبناء برنامج تأهيلي يختلف باختلاف الإصابة واستجابة المريض.

الحالة التي رفضتها العيادات
تستعيد رحمة اللحظة الأولى قائلة: “عندما رأيتها، ظننت أن ساقها مبتورة من شدة الانتفاخ وقصر طولها”.
لم تكن الإصابة بسيطة؛ كسور خطيرة في الساق رافقتها مضاعفات أثرت في الأعصاب، وجعلت التعامل مع الحالة بالغ الصعوبة. وتقول رحمة إن العيادات رفضت استقبال المريضة، حتى أصبحت تنظر إليها بوصفها أملها الأخير.
وتضيف: “بعد شهرين فقط من الجلسات، استعادت ساقها شكلها وبدأت تمشي من جديد”.
كانت النتيجة ثمرة برنامج علاجي متدرج، لا جلسة واحدة أنهت الألم. فاستعادة المشي في مثل هذه الحالات تحتاج إلى متابعة والتزام وتمارين وتأهيل يعيدان إلى الجسم حركته وقوته وتوازنه تدريجيا.
أبعد من التدليك
خلف هذه القصة مفهوم شائع تحاول رحمة تصحيحه: العلاج الطبيعي ليس تدليكا، ولا يقتصر على آلام الظهر والمفاصل.
وتقول: “العلاج الطبيعي طب متكامل قائم على العلم والتقنيات، ويُستخدم أحيانا لتجنب بعض العمليات أو للتأهيل بعدها”.
ويبدأ العلاج، وفقا لرحمة، بتقييم حالة المريض وتحديد احتياجاته، ثم إعداد برنامج يتناسب مع نوع الإصابة وشدتها ومدى استجابة الجسم. لذلك لا توجد مدة علاج موحدة، كما لا يمكن افتراض أن مشكلة المريض ستنتهي بعد جلسة واحدة.
وقد يحتاج بعض المرضى إلى جلسات متعددة وفترة من المتابعة والتدرج في التمارين، ولا سيما عندما يكون الهدف استعادة القدرة على الحركة والوقوف والمشي، وليس تخفيف الألم مؤقتا فقط.

“طقطقة” قد تسبق التشخيص
في مقابل العلاج القائم على التقييم، تحذر رحمة من اللجوء إلى أشخاص غير مختصين يتعاملون مع آلام العضلات والمفاصل من خلال “طقطقة” العظام أو تحريك المفاصل بصورة عشوائية.
فالتعامل مع الجسم من دون معرفة سبب الألم وطبيعة الإصابة قد لا يناسب جميع الحالات. وتشدد على أن الخطوة الأولى يجب أن تكون تقييم المشكلة، قبل تحديد التدخل الملائم للمريض.
اختصاص يمتد إلى معظم أجهزة الجسم
لا تتوقف مجالات العلاج الطبيعي عند الكسور وإصابات العظام والعضلات، بل تمتد، بحسب ما تقول رحمة، إلى علاج الأعصاب والحروق الجلدية والتأهيل النسائي والقلبي والرئوي، فضلا عن رعاية كبار السن وتأهيل الرياضيين والجنود المصابين.
ويدخل الاختصاص في إعادة تأهيل المرضى بعد العمليات والكسور، ومساعدة من أثرت المشكلات العصبية في حركتهم، وإعداد الرياضيين للعودة التدريجية إلى نشاطهم بعد الإصابة.
كما يشمل برامج معالجة مشكلات الحركة والتوازن، وتأهيل كبار السن لمساعدتهم على الحفاظ على قدرتهم على الحركة وأداء أنشطتهم اليومية باستقلالية أكبر، إلى جانب تأهيل المصابين الذين أثرت إصاباتهم الجسدية في قدرتهم على أداء وظائفهم المعتادة.

حين يصبح الهدف استعادة الحياة
ولا ينتهي دور العلاج الطبيعي عند تخفيف الألم؛ فالغاية الأساسية، وفقا لرحمة، هي استعادة الوظيفة التي فقدها المريض بسبب الإصابة أو المرض.
فمن يتعرض لإصابة في ساقه لا يريد التخلص من الألم فقط، بل يسعى إلى الوقوف والمشي وصعود الدرج والعودة إلى حياته اليومية. وينطبق الأمر نفسه على من فقد جزءا من حركة يده أو توازنه أو قدرته على أداء مهامه المعتادة.
وبعد العمليات، قد يصبح التأهيل جزءا أساسيا من التعافي، إذ يحتاج المريض إلى استعادة الحركة والقوة تدريجيا، بما يتناسب مع حالته وتوجيهات الفريق الطبي. وفي حالات أخرى، قد يسهم العلاج الطبيعي في تقليل الحاجة إلى بعض التدخلات، لكن ذلك يرتبط بطبيعة المشكلة والتقييم الطبي، ولا يعني أنه بديل عن الجراحة في جميع الحالات.
ثقة لا توازي أهمية الاختصاص
وترى رحمة أن المشكلة لا تتعلق بقدرة العلاج الطبيعي على مساعدة المرضى، بقدر ما ترتبط بضعف الوعي بطبيعته وحدوده واتساع مجالاته.
وتقول: “العلاج الطبيعي أقرب اختصاص إلى الطب العام؛ لأنه يتعامل مع معظم أجهزة الجسم، لكنه لا يُمنح ما يستحقه من ثقة ووعي”.
ومن ساق بدت كأنها مبتورة إلى خطوات استعادت بها شابة حياتها، تختصر هذه الحالة جوهر العلاج الطبيعي: رحلة لا تبدأ بالتدليك ولا تنتهي عند زوال الألم، بل تقوم على العلم والتقييم والالتزام، وتهدف إلى إعادة الإنسان إلى حركته ووظائفه وحياته اليومية.



