
في محل صغير وسط قلعة أربيل، لا تقاس المساحة بما تتسع له من أثاث، بل بما تحتفظ به من مفاتيح وحكايات. هنا يجلس أسطة فرهاد أمام آلة قديمة، يستقبل من جاء ينسخ مفتاحا، ومن قادته ورطة باب مغلق أو مفتاح ضائع. وفي حديثه لـ”طريق 24″، يستعيد سنوات مهنة رافقته منذ تسعينيات القرن الماضي، وصارت جزءا من يومه واسمه بين الزبائن.
مهنة قديمة لكنها حاضرة
بضعة أمتار تكفي لهذا العالم الصغير. آلة تظهر عليها آثار الاستخدام، وقطع معدنية تنتظر دورها، ومفاتيح تتدلى خلف صاحب المحل بأحجام وأشكال مختلفة. يبدو المشهد كأنه أرشيف للأبواب؛ لكل مفتاح أسنانه وانحناءاته، ولكل زبون مكان يريد العودة إليه.

أمام الآلة، يبدأ العمل بقطعة معدنية لا تقول الكثير عن وجهتها المقبلة. يثبتها فرهاد، ثم يحركها بدقة اكتسبها من تكرار العمل على مدى سنوات. تتلاحق أصوات احتكاك الحديد، وتتطاير ذرات معدنية لامعة، فيما تأخذ القطعة شكلها شيئا فشيئا. وما كان قبل لحظات قطعة خاما، يصبح مفتاحا ينتظره صاحبه.
في هذه المهنة، قد تكون المسافة بين الانتظار والراحة بضعة أخاديد صغيرة. سن زائد أو انحناءة غير مضبوطة يكفيان ليظل الباب مغلقا، ولهذا تظل عين فرهاد ويده قريبتين من التفاصيل. خبرته، كما يوضح، مكنته من التعامل مع أنواع مختلفة من المفاتيح والأقفال، ومع طلبات لا تتشابه دائما.
فليس كل من يقصد المحل يحمل مفتاح منزل يريد نسخة منه. هناك من فقد مفتاح سيارته، ومن تركه داخل المركبة ثم أغلقها، ومن وجد نفسه أمام باب منزله وقد أغلق على نحو مفاجئ. تختلف الوقائع، لكن الحاجة واحدة؛ تجاوز قفل صار، في لحظة غير محسوبة، فاصلا بين صاحبه وما يريد الوصول إليه.
زبائن من كل مكان
ويقول فرهاد إن زبائنه يأتون من أحياء مختلفة في أربيل، ومن مدن أخرى أيضا، وإن معظمهم من العرب. هكذا تتسع دائرة المحل الصغير إلى ما وراء أمتاره القليلة، ويصبح الاسم المعروف والخبرة الطويلة سببا لرحلة قد تنتهي عند هذه الآلة القديمة.
أما كمال، جاره، فيختصر معرفته به بعبارة بسيطة: “رجل أمين”. ويذكر أن فرهاد تعلم المهنة في طفولته، وواصل العمل فيها حتى أتقنها وافتتح محله الخاص وسط القلعة، حيث بقي يعمل لسنوات طويلة.

وللأمانة وزن خاص هنا. فالمفتاح ليس مجرد قطعة معدنية تؤدى بها خدمة وتنتهي؛ إنه صلة ببيت وسيارة وممتلكات، والثقة بمن يصنعه جزء من الثقة بالباب الذي سيحمله صاحبه إليه. لذلك تبدو شهادة الجار قريبة من جوهر المهنة، بقدر قربها من صاحبها.
تغيرت الأدوات، وتطورت وسائل صناعة المفاتيح وفتح الأقفال، لكن فرهاد ما زال يواصل عمله يوميا في المكان نفسه، محاطا بما يعرفه جيدا. تمر بين يديه مفاتيح كثيرة، ويغادر بها أصحابها إلى وجهات لا يراها، فيما يبقى هو أمام آلته، يستقبل حاجة أخرى وحكاية جديدة.
وفي بضعة أمتار من قلعة أربيل، يكسب أسطة فرهاد رزقه من تفاصيل صغيرة، قد لا ينتبه إليها أحد ما دام الباب يفتح بسهولة. لكن حين يضيع المفتاح، يعرف صاحبه كم يمكن لقطعة معدنية صغيرة أن تعيد إليه راحة يومه.



