اقتصادالعراقسياسة
أخر الأخبار

اكاديمي: الحكومة تواصل إدارة اقتصاد ريعي بالآليات نفسها والإصلاح لا يبدأ من جيب المواطن

أكد أستاذ الاقتصاد الدولي نوار السعدي أن تغيير سعر الصرف يوفر للخزينة موارد إضافية بالدينار، لكنه لا يمثل إصلاحا ماليا بحد ذاته ولا يعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، محذرا من تحميل المواطنين جزءا من كلفة هذه الاختلالات عبر سعر الصرف والرسوم والضرائب، مع بقاء حجم الإنفاق الحكومي وهيكله دون تغيير جوهري.

وقال السعدي في حديث لـ”طريق24″، إن قراءة موازنة العراق لعام 2027 يجب ألا تقتصر على حجم الإنفاق أو قيمة العجز، بل تشمل سلوك المالية العامة واتجاهها، لتحديد ما إذا كانت الموازنة تعالج الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد، أم تحاول الحفاظ على مستوى الإنفاق القائم من خلال البحث عن موارد إضافية.

وأوضح أن الأرقام الأولية المنشورة تشير إلى استمرار الحكومة في إدارة اقتصاد ريعي كبير بالآليات نفسها، مع ارتفاع الإنفاق الجاري والاعتماد الكبير على النفط، في وقت تواجه فيه المالية العامة ضغوطا متزايدة.

وبين أن المسودة تقدر إجمالي الإنفاق بنحو 217 تريليون دينار، مقابل إيرادات تقدر بنحو 174 تريليونا، بعجز يقترب من 43 تريليون دينار، يعادل قرابة 20% من إجمالي الإنفاق، فيما بنيت الموازنة على سعر نفط قدره 58 دولارا للبرميل وسعر صرف يبلغ 1500 دينار للدولار.

وأشار إلى أن المفارقة تتمثل في استمرار المحافظة على مستويات مرتفعة من الإنفاق الجاري والتوسع في الالتزامات الحكومية، بدلا من أن تدفع الضغوط المالية إلى إعادة هيكلة الإنفاق العام. وأضاف أن الموازنة تتضمن تثبيت العقود والأجراء وإضافة نحو 100 ألف عقد جديد، ما يعني إضافة التزامات جديدة إلى فاتورة الأجور، بدلا من معالجة المشكلة الهيكلية المتمثلة في تضخم حجم القطاع العام.

وأكد السعدي أنه لا يدعو إلى وقف التوظيف في القطاعات التي تحتاج فعلا إلى موارد بشرية، أو التخلي عن الفئات الهشة التي تعتمد على الحماية الاجتماعية، لكنه شدد على أن خلق وظائف حكومية جديدة لا يمكن أن يكون بديلا عن خلق وظائف في الاقتصاد الحقيقي.

وقال إن العراق يحتاج إلى الانتقال من مفهوم “الدولة التي توظف المواطنين”إلى “الدولة التي تخلق البيئة التي تجعل الاقتصاد يوظف المواطنين”.

وفي ما يتعلق بسعر الصرف، أوضح أن رفع سعر الدولار إلى 1500 دينار في الموازنة، ووصول سعر البيع للمستفيد إلى 1520 دينارا، يوفر للحكومة دنانير أكثر مقابل كل دولار من الإيرادات النفطية، ويمنح الخزينة موردا إضافيا بالعملة المحلية.

واستدرك أن هذا المورد لا ينتج عن زيادة الإنتاج أو تنويع حقيقي للإيرادات، بل ينتقل جزء من كلفته إلى الاقتصاد والمستهلك من خلال ارتفاع تكلفة السلع والخدمات المستوردة وتراجع القوة الشرائية للدينار.

وشدد على أن تغيير سعر الصرف أداة مالية ونقدية قد توفر للحكومة متنفسا مؤقتا، لكنه لا يعالج أصل المشكلة، ولا يمكن التعامل معه بوصفه إصلاحا ماليا بحد ذاته.

ولفت السعدي إلى أن الإيرادات النفطية المقدرة في المسودة تبلغ نحو 144.7 تريليون دينار من أصل 174.2 تريليونا من إجمالي الإيرادات، بما يقارب 83%، وهو ما يعكس استمرار اعتماد العراق بصورة أساسية على مورد واحد لتمويل الدولة، رغم الحديث عن تنويع الاقتصاد.

ودعا إلى استخدام الأزمة المالية فرصة لإعادة بناء الموازنة، من خلال برنامج واضح لخفض الإنفاق التشغيلي غير الضروري، ومراجعة الرواتب والمخصصات والامتيازات بصورة شاملة، ومعالجة الازدواج الوظيفي، وتحويل جزء أكبر من الإنفاق العام من الاستهلاك إلى الاستثمار المنتج الذي يولد دخلا وفرص عمل خارج القطاع الحكومي.

وأوضح أن العراق لا يعاني من نقص الإيرادات فقط، بل من اختلال في هيكل الإيرادات والإنفاق في الوقت نفسه، إذ تنفق الدولة مبالغ ضخمة بينما تحصل على الجزء الأكبر من مواردها من النفط، ما يجعل المالية العامة شديدة الحساسية لأي انخفاض في أسعار النفط أو كميات التصدير.

وأكد أن رفع سعر الصرف للحصول على دنانير أكثر من الإيرادات النفطية قد يساعد الموازنة حسابيا، لكنه لا ينبغي أن يتحول إلى بديل عن الإصلاح المالي.

وحذر من أن تصبح معالجة العجز قائمة على البحث عن إيرادات إضافية عبر سعر الصرف أو الرسوم أو الضرائب كلما انخفضت الموارد، مع بقاء الإنفاق الحكومي وهيكله دون تغيير جوهري، مبينا أن ذلك يعني عمليا تحميل المواطن جزءا من كلفة الاختلال المالي.

وأشار إلى أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بخفض الهدر وإعادة هيكلة الإنفاق وضبط نمو فاتورة الرواتب وإصلاح المؤسسات الحكومية وزيادة كفاءة الاستثمار العام، إلى جانب توسيع الإيرادات غير النفطية بصورة حقيقية، بدلا من الاكتفاء بتقديرها بأرقام أعلى في الموازنة.

وشدد على أن زيادة الإيرادات غير النفطية على الورق لا تعني بالضرورة تنويع الاقتصاد، موضحا أن التنويع يتطلب قطاعا خاصا منتجا وصناعة وزراعة وخدمات قابلة للنمو، ونظاما ضريبيا وكمركيا فعالا، ومصارف قادرة على تمويل الاقتصاد، وبيئة استثمارية تقلل اعتماد الدولة على النفط.

وخلص السعدي إلى أن مشكلة موازنة 2027 لا تتمثل في عدم كفاية الموارد وحدها، بل في عدم إجراء التحول الضروري في طريقة إدارتها، موضحا أن رفع سعر الصرف يوفر للخزينة دنانير أكثر لكنه لا يزيد إنتاجية الاقتصاد، وأن زيادة التعيينات توفر دخلا لآلاف الأسر لكنها لا تخلق اقتصادا منتجا، فيما تسد زيادة الإيرادات النفطية جزءا من العجز دون أن تنوع مصادر دخل الدولة.

وأكد أن العراق يحتاج إلى موازنة تبدأ بالإصلاح قبل البحث عن مصادر جديدة لتمويل الإنفاق، مشددا على أن “الإصلاح المالي الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ من جيب المواطن، بل من إعادة هيكلة الدولة نفسها”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى