
تتزايد الاعتراضات على توصية لجنة التربية النيابية برفع تسمية مدارس المتفوقين وتحويلها إلى مدارس عامة تعتمد الرقعة الجغرافية، في وقت تعاني فيه هذه المدارس أصلا من توسع القبول والاستثناءات التي أضعفت قيمة الاختبار الوزاري ودفعت بعض المدارس إلى تجاوز طاقتها. وبدل معالجة الخلل في القبول وحماية معيار التفوق، جاءت التوصية لتضع نموذج المدارس نفسه أمام الإلغاء تحت عنوان تكافؤ الفرص.
تكافؤ الفرص لا يعني إلغاء التفوق
بنت لجنة التربية النيابية توصيتها على المادة 16 من الدستور، واعتبرت تحويل مدارس المتفوقين إلى مدارس عامة واعتماد الرقعة الجغرافية في القبول خطوة تحقق العدالة والمساواة. لكن المشكلة تبدأ من تفسير هذا المبدأ نفسه. فتكافؤ الفرص يفترض أن تكون المنافسة متاحة للطلبة وفق شروط واضحة، ولا يعني إلغاء المعايير التي تميز الطالب صاحب المستوى العلمي الأعلى عن غيره.
مدارس المتفوقين لم تنشأ على أساس اجتماعي أو مالي يمنح أصحاب النفوذ فرصة ويحرم الفقراء منها، بل تعتمد معدلا دراسيا واختبار قبول تحدده وزارة التربية. الوزارة اشترطت للعام الدراسي 2026-2027 معدل 95 بالمئة للتقديم، وحددت اختبارا تحصيليا في اللغة العربية والإنكليزية والرياضيات والعلوم. أي أن بوابة المدرسة، وفق التعليمات الأصلية، هي التفوق الدراسي واجتياز المنافسة وليست القدرة المالية للأسرة.
وتذهب رئيس مؤسسة نابو للدراسات الاستراتيجية رواء الجاف إلى أن هذه المدارس تؤدي وظيفة اجتماعية أيضا، خاصة للمتفوقين من الأسر محدودة الدخل الذين لا يستطيعون دفع أقساط التعليم الأهلي. وترى أن معالجة العدالة التعليمية يفترض أن تتجه نحو توسيع الفرص وليس إلغاء مدرسة توفر تعليما خاصا بقدرات طلبتها.
أما النائب محمد الخفاجي، فقد رفض التوصية أيضا، وعدها غريبة، معتبرا أن التفوق والموهبة لا يتعارضان مع تكافؤ الفرص، بل يتطلبان شروط قبول أكثر صرامة. وبمنطقه هذا، وضع التوصية أمام اختبار بسيط. فالجامعات نفسها لا توزع مقاعد الطب والهندسة وفق الرقعة الجغرافية، بل وفق المعدلات والمنافسة. فلماذا يصبح اعتماد القدرة العلمية مشكلة عندما يتعلق الأمر بمدرسة للمتفوقين؟
اختبار وزاري ثم تتراجع قيمة الاختبار
المفارقة الأكبر لا تتعلق بوجود مدارس المتفوقين، بل بما حدث لقواعد الدخول إليها. وزارة التربية أجرت اختبارا رسميا وحددت شروطا واضحة، ثم أعلنت لاحقا قبول جميع الطلبة المؤهلين حتى لو أدى ذلك إلى تجاوز الطاقة الاستيعابية، مع توفير الملاكات أو معالجة الزيادة (وتوفيرها أمر لا يحدث عادة). كما سمحت بقبول غير المؤهلين في مدارس المتفوقين لإكمال الطاقة المتاحة وفق تسلسل النتائج. وتجدر الإشارة إلى أن بعض المدارس لم ينجح فيها سوى عدد ضئيل من المتقدمين، وبالتالي امتلأت الطاقة الاستيعابية بمن لم يتجاوز اختبار القبول.
وبالاضافة الى ذلك، حصل الكثير من الطلبة على استثناءات عبر مخاطبات من نواب في البرلمان ووافقت الوزارة عليها مما جعل الطاقة الاستيعابية تتجاوز الحدود المطلوبة بشكل أكبر بكثير.
وهنا تصبح المشكلة إدارية قبل أن تكون تربوية. فإذا كان الاختبار هو معيار اختيار الطلبة، فيجب أن تبقى نتيجته ذات قيمة فعلية. وإذا كانت الحاجة تستدعي توسيع القبول، فالمطلوب زيادة الصفوف والملاكات والمقاعد، لا إضعاف وظيفة الامتحان نفسه. مع العلم ان الكثير من الحالات كانت فيها نسبة قبول الطلبة غير المؤهلين اكثر باضعاف من الطلبة الذين نجحوا بالاختبار واستوفوا شروط القبول.
كما أن التعليمات الرسمية تتضمن أصلا حالات استثناء محددة لبعض الفئات من شروط الطاقة أو الاختبار. لكن وجود الاستثناءات القانونية شيء، وتحول الاستثناء إلى طريق واسع يفرغ المنافسة من مضمونها شيء آخر.
والمعلومات التي جمعها هذا التقرير تتحدث عن ضغوط واستثناءات أخرى استفاد منها أبناء مسؤولين ونواب سابقين وحاليين وشخصيات ذات نفوذ وحظوة اجتماعية، والثابت حاليا أن نظام القبول تعرض لتوسعات واستثناءات، وأن بعض المدارس واجهت ضغطا يفوق طاقتها الاستيعابية.
وهنا موضع المحاسبة الحقيقي. إذا تضررت مدارس المتفوقين بسبب طريقة إدارة القبول، فهل يكون العلاج بإلغاء خصوصيتها، أم بإعادة الانضباط إلى شروط الدخول إليها؟
الدستور يرعى التفوق أيضا
توصية اللجنة استندت إلى المادة 16 من الدستور الخاصة بتكافؤ الفرص، لكن الدستور نفسه لم يتوقف عند المساواة في الوصول إلى التعليم. المادة 34 تنص صراحة على أن الدولة “ترعى التفوق والابداع والابتكار ومختلف مظاهر النبوغ”، وهو نص يجعل رعاية الطلبة ذوي القدرات العالية جزءا من واجب الدولة وليس امتيازا يمكن النظر إليه باعتباره نقيضا للعدالة.
الأمر أكثر وضوحا في قانون وزارة التربية رقم 22 لسنة 2011، إذ تجيز المادة 14 للوزارة إنشاء صفوف ومدارس تكفل “رعاية المتفوقين والموهوبين”. أي أن المشرع نفسه أقر بفكرة التعليم الذي يراعي الفروق في القدرات، ولم يعتبر تخصيص مدارس لهذه الفئة إخلالا بالمساواة.
ويرى القانوني محمد علي غالي أن توصية إلغاء مدارس المتفوقين تتعارض مع هذه النصوص ولا يجوز تنفيذها بصيغتها الحالية. ويمكن الاختلاف قانونيا بشأن مدى إلزام الوزارة بالإبقاء على النموذج القائم، لكن من الصعب تجاهل حقيقة أن اللجنة استحضرت مادة دستورية عن تكافؤ الفرص وتركت مادة أخرى تتحدث بوضوح عن رعاية التفوق.
وإذا كانت اللجنة تعتقد أن النموذج الحالي يخل بالعدالة، فالمطلوب تقديم دراسة تبين موضع الخلل وحجمه وأثره، لا الاكتفاء بتحويل مدارس متخصصة إلى مدارس عامة وقبول الطلبة فيها على أساس محل السكن.
المشكلة في الإدارة لا في المتفوقين
الأكثر إثارة للاستغراب أن التوصية تأتي في عام اضطرت فيه وزارة التربية نفسها إلى معالجة ارتباك القبول. ففي آذار طلبت الوزارة من المديريات تحديد الطاقة الاستيعابية وعدد الصفوف في مدارس المتفوقين والمتميزين استعدادا لتنظيم القبول، ثم أعلنت في أيلول قبول جميع المؤهلين حتى مع تجاوز الطاقة، مع السماح بقبول غير المؤهلين في مدارس المتفوقين لإكمال المقاعد المتاحة وفق التسلسل.
هذه الوقائع تكفي لإظهار أن الملف يحتاج رقابة نيابية حقيقية على آليات القبول والطاقة والاستثناءات. اللجنة كان بوسعها أن تطلب أعداد المقبولين خارج الضوابط، وأسماء الجهات التي منحت الاستثناءات، ونسب تجاوز الطاقة، وأن تحقق في سبب إضعاف نتيجة الاختبار. لكنها ذهبت إلى أصل المدرسة نفسها.
وهنا تصبح التوصية أقرب إلى معالجة الخطأ بإزالة النموذج الذي تعرض للخطأ. الطلبة المتفوقون لم يصنعوا الاستثناءات، ولم يقرروا زيادة الأعداد، ولم يضغطوا لتجاوز الطاقة. إذا كانت أبواب القبول قد تعرضت للتدخل، فالمحاسبة يجب أن تبدأ بمن فتح تلك الأبواب، لا بالطلبة الذين دخلوا من الباب الذي وضعته الوزارة أصلا.



