
وأنت تمشي في سوق اللنكة بشارع الأربعين متر في أربيل، قد يخطف سمعك صوت أم كلثوم قادما من زاوية صغيرة. تقترب أكثر، فتجد نفسك أمام دكان متواضع لا يوحي من الخارج بأنه يحتضن ذاكرة موسيقية تمتد لأكثر من نصف قرن، وتضم آلاف التسجيلات النادرة التي تختزن أصواتا وألحانا من كردستان والعراق والمنطقة.

هناك تقف تسجيلات الإخلاص بوصفها واحدة من أقدم محال التسجيلات في أربيل، وتحمل، بحسب سجلات الدوائر الثقافية، الرخصة رقم 1. ومنذ عام 1971، كرّس مام عبد الله برادوستي حياته لجمع التسجيلات وحفظها، حتى تحول دكانه الصغير إلى أرشيف صوتي يضم أكثر من 18 ألف كاسيت وبكرة تسجيل قديمة.
أرشيف يتجاوز حدود الموسيقى الكردية
لا تقتصر محتويات الرفوف على الموسيقى الكردية، فبين التسجيلات أصوات عربية ارتبطت بذاكرة أجيال، من أم كلثوم وعبد الحليم حافظ وفيروز، إلى ياس خضر وسعد الحلي وحسين نعمة، وصولا إلى أنغام وميادة الحناوي، إلى جانب تسجيلات نادرة يصعب العثور عليها اليوم مجتمعة في مكان واحد. وفي الجانب الكردي، يحتفظ الأرشيف بأصوات وأعمال عدد من أبرز الفنانين، بينهم حسن زيرك، ومظهر خالقي، ومحمد عارف جزراوي، ومشكو الإربيلية، وجعفر سليم، وحسين علي، ومحمد سيوئ، ومحمد كوران، لتتحول الأشرطة القديمة إلى سجل صوتي يوثق مراحل مختلفة من تاريخ الموسيقى الكردية.

زبائن يبحثون عن أصوات غابت
ولم يبق هذا الأرشيف محصوراً داخل أربيل، إذ يمتلك المحل زبائن من محافظات عراقية عدة، من بغداد والبصرة وغيرها، يقصدونه بحثاً عن تسجيلات قديمة يصعب العثور عليها في أماكن أخرى.
كما يتلقى برادوستي طلبات خاصة من أشخاص يبحثون عن أغانٍ أو تسجيلات بعينها، فيعود إلى رفوف الأرشيف بحثا عنها وإعادة توفيرها لأصحابها. ويقول العاملون في المحل إن كثيرا من الزبائن لا يأتون لشراء تسجيل متاح فحسب، بل يطلبون مواد محددة مرتبطة بذكرياتهم، ما يجعل عملية البحث داخل آلاف الأشرطة أشبه برحلة لاستعادة صوت قديم أو أغنية غابت عن التداول منذ سنوات طويلة.

55 عاما أمام تغير التكنولوجيا
بدأ برادوستي رحلته مع التسجيلات عام 1971، مدفوعا بشغف شخصي سرعان ما تحول إلى مشروع لحفظ الذاكرة. وعلى مدى 55 عاما، بقي متمسكاً بأشرطته القديمة، رغم تغير التكنولوجيا وانتقال العالم من الكاسيت والبكرات إلى المنصات الرقمية. ومع مرور الوقت، لم يعد المحل مجرد متجر للتسجيلات، بل أصبح أشبه بمتحف صوتي غير رسمي يحتفظ بجزء من تاريخ الفن والغناء في العراق وكردستان والمنطقة. وتكشف مساحة الدكان المحدودة حجم المفارقة؛ فالأرشيف أكبر بكثير من المكان الذي يحتضنه. وبسبب ضيق المحل، اضطر برادوستي إلى نقل نحو ثلاثة أضعاف محتوياته إلى منزله، حيث تحفظ التسجيلات في ظروف غير مثالية، ما يثير مخاوف المثقفين والفنانين من تعرض هذا الإرث للتلف.

كان الدكان مصدرا للإذاعات
لم يكن دور تسجيلات الإخلاص فنيا فحسب. فبعد عام 1991، ومع توسع المشهد الإعلامي في إقليم كردستان وافتتاح الإذاعات والقنوات المحلية، أصبحت تسجيلات برادوستي مصدرا مهما للمواد الفنية النادرة، في وقت لم تكن فيه مراكز الأرشفة الرسمية قادرة على استيعاب هذا الإرث. ومع تقدم العمر، انتقلت المهنة إلى ابن برادوستي الذي يعمل معه اليوم، في محاولة لإبقاء هذه الذاكرة حاضرة وعدم السماح بتشتتها أو اندثارها.

أرشيف يحتاج إلى بيت
لكن التحدي الأكبر لم يعد جمع التسجيلات، بل إنقاذها من المكان الذي يحفظها. فالدكان الصغير، الواقع بعيدا عن المسارات السياحية الرئيسية، لم يعد يملك المساحة أو الظروف المناسبة ليكون بيتا لهذا الإرث. وهنا تتصاعد مطالب الفنانين والمثقفين في أربيل بنقل تسجيلات الإخلاص إلى موقع يليق بقيمتها، مقترحين تخصيص أحد المحال التاريخية أسفل قلعة أربيل أو بالقرب من مقهى مچكو الثقافي، وتحويل المكان إلى معلم ثقافي وسياحي. فما بدأ عام 1971 بشغف شخصي لجمع الأشرطة، أصبح اليوم أرشيفا يختزن أصوات أجيال كاملة. والسؤال لم يعد فقط كيف نحافظ على هذه التسجيلات، بل أين يجب أن تحفظ حتى تبقى متاحة للأجيال المقبلة؟




