
تحول مقترح تعديل قانون المحاماة إلى محور جدل داخل الأوساط القانونية، بعدما دعت نقابة المحامين إلى تضمينه مادة تمنع الموظفين المتقاعدين من حملة شهادة القانون من الانتماء إلى النقابة ومزاولة المهنة. النقابة تبرر مقترحها بالقول إن الهدف من التعديل هو حماية فرص العمل للمحامين الشباب الذين اختاروا المهنة على الوظيفة، وتحملوا منذ تخرجهم سنوات طويلة من عدم الاستقرار، في وقت يشهد فيه العراق تخريج آلاف القانونيين سنويا. في المقابل، يرى معارضو المقترح أن المنع يمثل تقييدا لحق دستوري في العمل، وأن أزمة البطالة بين خريجي القانون تعود إلى سوء التخطيط والتوسع في افتتاح كليات القانون، وليس إلى أعداد المتقاعدين.
حماية المهنة أم حماية فرص العمل؟
تؤكد نقيبة المحامين، أحلام اللامي، أن خريج القانون يقف منذ البداية أمام خيارين واضحين؛ إما الوظيفة العامة بما توفره من استقرار وظيفي ورواتب وترقيات وحقوق تقاعدية، أو العمل في المحاماة بما يحمله من مخاطر وعدم استقرار وسنوات طويلة لبناء الاسم والسمعة المهنية.
وترى اللامي أن العدالة تقتضي احترام هذا الخيار، متسائلة: “كيف يصبح من العدل أن يستفيد شخص من امتيازات الوظيفة طوال حياته، ثم بعد تقاعده يدخل لينافس من اختار منذ شبابه طريق المحاماة وتحمل وحده سنوات القلق والعوز والمخاطرة؟”.
من جانبه، يذهب عضو الدائرة القانونية في نقابة المحامين صفاء اللامي إلى الاتجاه ذاته، موضحا أن غالبية أعضاء الهيئة العامة للنقابة يؤيدون تضمين هذا الحظر في قانون المحاماة.
ويقول اللامي خلال حديثه لـ”طريق24″، إن المتقاعدين استفادوا طوال سنوات خدمتهم من الامتيازات الوظيفية، في حين يواجه آلاف المحامين الشباب البطالة وصعوبة الحصول على فرص عمل، مضيفا أن أعداد خريجي كليات القانون تضاعفت بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي يجعل منح الأولوية للشباب “مسؤولية أخلاقية وتاريخية”، بحسب وصفه.
اعتراضات دستورية وقانونية
لكن هذه الرؤية تواجه رفضاً من عدد من القانونيين، الذين يرون أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في المتقاعدين، بل في تضخم أعداد خريجي القانون نتيجة التوسع الكبير في الكليات، ولا سيما الأهلية، فضلا عن محدودية فرص العمل.
ويقول الخبير القانوني أحمد العبادي إن الموظف القانوني يكتسب خلال سنوات عمله في مؤسسات الدولة خبرات عملية واسعة تجعل منه إضافة حقيقية لمهنة المحاماة، لا عبئاً عليها، ولا يجوز حرمانه من حقه بالعمل بعد التقاعد فهو يمثل خبرة سنوات طويلة.
وأثناء حديثه مع “طريق24″، يقول العبادي أن قانون المحاماة لا يتضمن أي نص يمنع المتقاعد من الانتماء إلى النقابة، باستثناء الموظف الذي لا يزال على رأس الخدمة، سواء في مؤسسات الدولة أو الأجهزة الأمنية، مؤكداً أن “لا يوجد مسوغ قانوني يمنع المتقاعد من ممارسة المهنة”.
ويرى العبادي أن مهنة المحاماة تختلف عن الوظائف الحكومية، إذ لا تخضع لسن تقاعد، والعطاء فيها يستمر ما دام المحامي قادرا على ممارسة عمله، لافتا أيضا إلى أن المتقاعد يدفع اشتراكات ورسوم صندوق تقاعد المحامين من دون أن يحصل على أي امتياز إضافي، لأنه يتقاضى أصلاً راتبه التقاعدي من الدولة.
هل تملك النقابة حق فرض القيود؟
أما الخبير القانوني محمد السيلاوي، فيرى أن القانون الحالي لا يمنع انتماء أي خريج قانون إلى النقابة، بغض النظر عن عمره أو كونه متقاعدا، إلا أن للنقابة، بوصفها الجهة المنظمة للمهنة، الحق في السعي لتعديل القانون ووضع شروط جديدة للانتماء.
ويشير السيلاوي خلال حديث خص به “طريق24″، إلى أن النقابة تطبق بالفعل معايير مختلفة على المنتسبين، سواء من حيث رسوم الاشتراك بين خريجي الجامعات الحكومية والأهلية، أو بحسب الفئات العمرية، معتبرا أن تنظيم شروط الانتماء يدخل ضمن صلاحياتها الهادفة إلى الارتقاء بالمهنة. لكنه يوضح في الوقت نفسه أن أي منع للمتقاعدين لن يكون نافذا إلا بعد إقراره ضمن تعديل قانون المحاماة من قبل مجلس النواب.
هل المشكلة في المتقاعدين أم في سوق العمل؟
في المقابل، يرى الرافضون للمقترح أن المحاماة ليست حكرا على فئة بعينها، بل هي حق لكل خريج قانون يستوفي الشروط القانونية، شأنها شأن بقية المهن الحرة.
ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن الوظيفة العامة لم تكن امتيازا مجانيا، وإنما خدمة استمرت لعقود مقابل استقطاعات تقاعدية وحقوق كفلها القانون، وأن التقاعد يعني انتهاء العلاقة الوظيفية مع الدولة، لا إنهاء قدرة الإنسان على العمل.
كما يعتبرون أن خبرة المتقاعدين، سواء كانوا قضاة أو مستشارين أو مديرين قانونيين، تمثل قيمة مضافة للمهنة، لأنها تعزز جودة الأداء القانوني وتنعكس إيجابا على المتقاضين.
ويضيفون أن الدستور العراقي يكفل حرية العمل، وأن منع المتقاعد من ممارسة المحاماة قد يثير إشكالات دستورية تتعلق بالحرية الاقتصادية وحق الفرد في اختيار مهنته. ويرى المعترضون أن معالجة بطالة المحامين الشباب لا تكون بإقصاء فئة أخرى، وإنما عبر إصلاحات أوسع، مثل التوسع في مجالات عمل المحامين، وإلزامية التوكيل في عدد أكبر من المعاملات والعقود والشركات، بما يخلق فرص عمل جديدة تستوعب الشباب والخبرات المتقاعدة في الوقت نفسه.
جدل ينتظر الحسم
ومع انتقال مشروع تعديل قانون المحاماة إلى المرحلة التشريعية داخل مجلس النواب، يبقى الجدل قائما بين من يرى أن حماية المحامين الشباب تستوجب فرض قيود على انضمام المتقاعدين، ومن يعتبر أن المشكلة الحقيقية تكمن في سياسات التعليم وسوق العمل، لا في حق المتقاعد بممارسة مهنة حرة يكفلها الدستور. فالخلاف لم يعد يدور حول مادة قانونية فحسب، بل حول سؤال أوسع يتعلق بكيفية تحقيق التوازن بين تنظيم المهنة، وحماية فرص العمل، وصون الحق الدستوري في العمل لجميع خريجي القانون.



