
في ظهيرة صيفية على ضفاف نهر دجلة، دوّى صوت استغاثة مرعب. كان شاب قد جرفته المياه بعد أن فقد توازنه. لم يتردد “إسماعيل عمر”؛ ترك موقعه قرب العبّارة، ونزع سترته سريعا، ثم اندفع إلى الماء بخطوات يعرفها جيدا من سنوات طويلة قضاها في هذا النهر. وبعد دقائق بدت طويلة على الواقفين على الضفة، تمكن من الإمساك به وسحبه نحو مكان آمن، وسط صيحات الفرح وتشجيع الحاضرين. وبعد أن هدأت الفوضى، جلس إسماعيل قرب العبّارة يلتقط أنفاسه، وكأن شيئا داخله عاد به إلى قرابة أربعة عقود مضت، حين كان طفلا في التاسعة يرافق والده المنتسب في النجدة النهرية. هناك، على ضفاف دجلة عام 1985، بدأت الحكاية الأولى بين إسماعيل والنهر.

في طفولته المبكرة، لم يختلف “إسماعيل عمر سعيد عمر” عن بقية أقرانه من صبيان العاصمة بغداد، في حب نهر دجلة والتعلّق به، فالأمر بالنسبة لهم أشبه بعاطفة جينية تجذبهم إلى حافات النهر العظيم، تدعوهم لملامسة مياهه الباردة والتمتع بالنظر إلى الامواج واستنشاق النسيم الذي يحمل رائحة الماء والطين. لكن في حينها، لم يخطر ببال أحد أن تتطور هذه العلاقة بين إسماعيل ودجلة، لتحوّل هذا الصبي من كائن وديع يراقب ببراءة حركة المياه والقوارب والزائرين، إلى سبّاح مفتول العضلات، ومنقذ أرواح من الطراز الرفيع، يلقبه الناس بـ”حارس دجلة”. ويفتح إسماعيل قلبه ودفتر ذكرياته لـ”طريق24″ ويكشف عن مواقف تعرض لها قرب هذا النهر أثناء عمله لكسب لقمة العيش الكريم، وعن مساهماته بانتشال الغرقى، او انقاذ الذين حالفهم الحظ وبقوا على قيد الحياة.

إسماعيل الآن هو صاحب “عبّارة المتنبي” المعروفة قرب شارع المتنبي. وهي العبّارة الترفيهية الشهيرة في نهر دجلة، الآلة التي ورثها عن أبيه لكسب لقمة عيشه، بالإضافة إلى اكتساب مهارات السباحة ومراقبة عمليات الإنقاذ في سنّ مبكرة من عمره، قبل أن يصبح لاحقا أحد أكثر الأشخاص حضورا في حوادث الغرق، ومشاركا في إنقاذ وانتشال مئات الأشخاص، تنوعت حالاتهم بين غرقى وناجين وحالات انتحار.

ويقول إسماعيل إن علاقته بالنهر بدأت عام 1985 عندما كان في التاسعة من عمره، إذ كان يرافق والده المنتسب في النجدة النهرية. ولم تكن تلك الزيارات عابرة، لأنها علمته السباحة والتعرف على طبيعة نهر دجلة وكيفية التعامل مع مخاطره وكسر حاجز الخوف والرهبة التي تسيطر على قلوب الصبيان قرب جانبيه.
“فترة طفولتي قرب النهر مع والدي كانت مهمة جدا لتكوين شخصيتي، لأنها أتاحت ليّ فرصة مراقبة عمليات البحث عن الغرقى وانتشال الجثامين، إلى جانب التعامل مع حوادث الانتحار التي كانت تستدعي تدخل النجدة النهرية. هذه التجارب المبكرة اوجدت داخلي الجرأة والقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، حتى أصبحت لاحقا وجها معروفا لدى الأهالي والجهات المختصة، ويلقبونني بلقب (حارس دجلة)”، هكذا يلخص إسماعيل جزء من تجربته الحياتية قرب النهر.

مع تقدم إسماعيل بالعمر، لم يعد يكتفي بمراقبة الحوادث فحسب. بل انخرط فيها وصار يشارك في عمليات الإنقاذ، مستفيدا من الخبرة التي اكتسبها سابقا، ومن معرفته بالنهر واتجاهات التيارات المائية والأماكن التي تتركز فيها عمليات البحث عادة. تطورت هذه التجربة ونضجت كثيرا حتى أصبح يشارك مع الشرطة النهرية بشكل تطوعي، وفي رصيده مساهمات انتشال وانقاذ تتراوح بين 100 – 200 حالة. شملت إنقاذ مواطنين جرفتهم المياه، وإنتشال جثامين غرقى، إضافة إلى حوادث انتحار تتكرر بين فترة وأخرى.

وعن طبيعة وأسرار وتفاصيل عمليات الانقاذ، يقول إسماعيل أن أكثر عامل مؤثر وحاسم فيها هو “الوقت”، إذ إن الدقائق الأولى غالبا ما تكون حاسمة في إنقاذ حياة الغريق، ما يتطلب سرعة في الاستجابة ودقة في تحديد موقع الحادث، فضلا عن خبرة ميدانية في متابعة حركة المياه والتيارات. ورغم أنه ليس منتسبا إلى قوات الشرطة النهرية، إلا أنه ما يزال يحضر كلما استدعت الحاجة، ويشارك في عمليات البحث والإنقاذ بالتنسيق مع الجهات المختصة، ويستند في هذه المهام الصعبة والخطيرة إلى خبرة اكتسبها منذ الطفولة واستمرت لعقود.

“ما ورثته عن والدي لم يكن مجرد مهارة في السباحة، بل مسؤولية إنسانية تجاه كل من يستنجد للخلاص من قاع النهر، وهذه رسالة سأواصل أداءها على ضفاف دجلة إلى النهاية، احب عملي قرب النهر، أحب ما ورثته من والدي، وأحب القيام بالمساعدة وانقاذ حياة الناس”، هكذا يلخص إسماعيل مسيرة حياته المهنية والإنسانية قرب نهر ضفتي نهر دجلة الخالد.



