اقتصادالعراقمحليات
أخر الأخبار

مختص: ملاحقة الفاسدين لا تكفي.. العراق يفتقر إلى الرقابة الاستباقية والتشريعات الوقائية

شخّص الخبير في مكافحة الفساد سعيد ياسين جملة من الثغرات في منظومة مكافحة الفساد في العراق، أبرزها غياب الرقابة الاستباقية، والنقص الكبير في التشريعات الوقائية، وعدم وجود قانون لحق الاطلاع على المعلومات، فضلا عن الحاجة إلى تحديث قانون العقوبات وتشديد العقوبات المرتبطة بالفساد والرشوة واستغلال النفوذ.

وقال ياسين خلال حوار مطول اجراه مع “طريق24” إن العراق يعاني من نقص في المنظومة الرقابية، ولا سيما في جانب الرقابة الاستباقية، موضحا أن هذا النوع من الرقابة كان يتمثل سابقا بمكاتب المفتشين داخل الوزارات. ودعا إلى تأسيس ذراع رقابية للسلطة التنفيذية تحت مسمى “الرقابة الداخلية”، أو إعادة تسمية مكاتب المفتشين وربطها برئاسة مجلس الوزراء، لتتولى السلطة التنفيذية من خلالها الرقابة الاستباقية على أدائها.

وأكد أهمية تحقيق التنسيق وتكامل الأدوار بين هذه الجهة وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية، مبينا أن ديوان الرقابة المالية يمثل الرقابة البعدية، فيما تركز هيئة النزاهة على الإجراءات الوقائية والملاحقة.

وأشار ياسين إلى وجود نقص تشريعي كبير في ملف الوقاية من الفساد، داعيا إلى استكمال الدور الوقائي عبر الرقابة الاستباقية ومراجعة تقارير التقييم الصادرة عن ديوان الرقابة المالية وتحويل نتائجها إلى إجراءات لتقويم الأداء.

ولفت إلى وجود فراغ تشريعي في ما يتعلق بإحالة المشاريع والمشتريات الحكومية والمناقصات والعقود، داعيا إلى إقرار قانون يعتمد جداول الأسعار والجداول الهندسية، بما يمنع الإحالات المباشرة التي قد تشجع الشركات الواجهة والجهات الاقتصادية السياسية على التدخل وتحريف المشاريع عن أهدافها الحقيقية.

وأوضح أن أكثر من 30 بالمئة من الموازنة العامة تذهب إلى العقود والمشتريات والمناقصات الحكومية، ما يتطلب دقة أكبر في تأهيل الشركات والإعلان وآليات الإحالة.

وفي الجانب التشريعي، دعا ياسين إلى إقرار قانون حق الاطلاع على المعلومات، مشيرا إلى أنه موجود على رفوف مجلس النواب منذ عامي 2011 و2012، ومعتبرا أن غيابه يمثل أحد أسباب تكوين انطباعات غير مستندة إلى معلومات.

كما دعا إلى تشريع قانون عقوبات جديد أكثر ردعا، موضحا أن القانون الحالي، ورغم فاعلية القضاء، لا يجرّم بعض الأفعال، ومن بينها استغلال النفوذ السياسي والاتجار بالنفوذ السياسي والاستثمار فيه.

وشدد على ضرورة تحديث المنظومة العقابية وتشديد العقوبات بما يلبي المتطلبات الدولية، مستندا إلى كون العراق طرفا في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والاتفاقية العربية لمكافحة الفساد واتفاقية الدول الإسلامية لمكافحة الفساد.

وأشار كذلك إلى أهمية تعزيز التعاون القضائي الدولي بين مجلس القضاء والجهات المناظرة له، والتعاون مع أجهزة إنفاذ القانون والاستخبارات الدولية، مؤكدا الحاجة إلى مواد قانونية عقابية تدعم هذا التعاون.

وتطرق ياسين إلى ملف تضارب المصالح، داعيا إلى ضبط العلاقة بين المسؤولين الكبار والشركات المعتمدة والوظائف، واعتماد معايير الكفاءة والخبرة والنزاهة في الوظيفة العامة، إلى جانب إجراء تقييم دوري للأداء.

وفي الجانب الإداري، اقترح استحداث نظام إلكتروني مؤتمت لمتابعة المشاريع والأداء الحكومي، وتطوير نظام الشكاوى ليكون قابلا للقياس، إلى جانب تبسيط الإجراءات الحكومية بوصفه أحد مسارات الحد من الرشوة.

ووصف ياسين الرشوة بأنها من الجرائم الخطيرة جدا التي تؤثر في الانطباع الأول عن الأداء العام، داعيا إلى تشديد العقوبة عليها والعمل على احتوائها من خلال تبسيط الإجراءات الحكومية.

وأوضح أن الرشوة لا تقتصر على معاملات المراجعين، بل تشمل الرشوة المالية والرشوة الجنسية والابتزاز المالي وشراء الوظائف، معتبرا أن تحقيق العدالة في إدارة الوظيفة العامة وفق المعايير المعتمدة يسهم في إلغاء جريمة الرشوة أو احتوائها.

ودعا أيضا إلى تشريع قانون لاسترداد الأموال والمتحصلات المالية، مؤكدا أن بناء نظام نزاهة وطني لا يقوم على الملاحقة وحدها، وإنما يعتمد أيضاً على الوعي العام والقيم المجتمعية وتوفر الإرادة السياسية.

وفي الجانب المالي، قال ياسين إن العراق دولة ريعية، وإن قلة الأموال نتيجة الحروب والوضع الأمني والعسكري في المنطقة وتأثر العراق بها أظهرت نقاط الخلل في القطاع العام، داعيا الحكومة إلى رصد الإيرادات غير النفطية، باعتبار أن الإيرادات النفطية مرصودة فيما تمثل الإيرادات غير النفطية جانبا مهماً.

كما دعا إلى وضع ملف التعدين واستخراج المعادن على جدول أعمال الحكومة لأهميته، مشيرا إلى إجراءات وقائية شارك فيها منذ عام 2016 وجرى تطبيقها خلال السنوات الأخيرة، من بينها نظام أسيكودا والتحويلات المالية.

وأكد ضرورة مراجعة هذه الإجراءات من أجل التقييم والتقويم، مشددا على أن تكون جميع الأعمال والمشاريع والإجراءات قابلة للمراجعة والقياس.

وبعد عرضه هذه الثغرات والمقترحات، وصف ياسين الحملة الحالية لمكافحة الفساد بأنها كبيرة وليست شأنا هينا، مشيرا إلى أن أول مؤشر إيجابي فيها يتمثل بتكامل الأدوار وتوفر الإرادة السياسية لرفع بعض الحصانات عن بعض النواب، إلى جانب ما وصفه بقوة ووضوح إنفاذ القانون، مؤكدا وجود ارتياح شعبي تجاه هذه الإجراءات.

وأضاف أن الإجراءات القضائية التي سبقت الحملة أسهمت في تحقيق سيادة القانون في ملاحقة الفساد، فيما أدت هيئة النزاهة دورا كبيرا من خلال التحقيقات والتحريات ضمن مهامها.

وأكد أن الحملة يفترض أن تستمر بما يعزز ثقة الجمهور بالأداء العام، مشيرا إلى أن الإعلام يؤدي دورا مهما في صناعة الرأي العام وتنويره بالمعلومات اليومية والموثقة.

وبين أن مجلس القضاء الأعلى والمحكمة المختصة بمكافحة الفساد ينشران بصورة دورية أخبارهما ونشاطاتهما، فيما تعلن السلطة التنفيذية وهيئة النزاهة عن مجريات عملهما، بما يسهم في تنوير الرأي العام ومنع تكوين انطباعات لا تستند إلى معلومات.

وختم ياسين بالتأكيد على أن الإرادة السياسية متوفرة حاليا، وأن المطلوب هو ترسيخ تكامل الأدوار وتوزيعها، وصولا إلى التنمية والتنمية المستدامة وتحقيق حقوق الإنسان وبناء نظام نزاهة وطني وحكم رشيد، مشددا على أن تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد لا يقتصران على الملاحقة، بل يتطلبان تدابير وقائية تقع ضمن صلاحيات مجلس النواب في هذا المجال.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى