العراقفن وثقافة
أخر الأخبار

خمسة أوتار تختزل التاريخ.. العازف أصيل رحيم يتحدث عن عشقه للعود

في حوار أجرته معه “طريق 24″، يروي العازف ومدرس الموسيقى أصيل رحيم حكايته مع العود، مستعيدا البدايات التي تشكّل فيها وعيه الموسيقي داخل البيت، وتأثير والده الملحن رحيم هاشم في تجربته، فيما يتحدث عن الموسيقى بوصفها رسالة تتجاوز حدود النغم إلى أعماق الروح.

أصيل، المولود عام 1996، عازف ومدرس موسيقى، يرافق عوده في الحفلات والمناسبات، لكنه لا ينظر إليه بوصفه مجرد صندوق خشبي رنان، بل يراه آلة تختزل التاريخ في خمسة أوتار أو ستة، وتهمس بالفلسفة الشرقية بكل ما تحمله من شجن وتأمل.

بدأت علاقته بالموسيقى من البيت. هناك، لم يكن النغم حدثا طارئا، بل هواءً يومياً يتنفسه وسط عائلة حضرت الموسيقى في تفاصيل حياتها. غير أن الموروث العائلي، في نظره، لا يكفي وحده لصناعة فنان؛ فالفن الحقيقي يبدأ عندما يتحول ما يتلقاه الإنسان بصورة تلقائية إلى شغف شخصي وانتماء واعٍ، يختاره بإرادته ليبني من خلاله كيانه الخاص.

وكان والده، الملحن رحيم هاشم، أول من فتح أمامه باب الفهم العميق للموسيقى. في الغرفة التي كان يعمل فيها، شاهد أصيل كيف يتحول الصمت إلى حركة نغمية تعيد تشكيل الوجدان. لم تكن النوتات تمارين جامدة، بل لغة حوار تتجاوز الكلمات، ومن تلك اللحظات أدرك أن الموسيقى ليست تسلية عابرة، وإنما مسؤولية ورسالة حية.

لكن البيت لم يكن المعلم الوحيد؛ كانت البصرة حاضرة أيضا.

من مدينته، لم يحمل أصيل الذكريات وحدها، بل أخذ “فلسفة الماء والنخيل” وإيقاع شط العرب، بكل ما يضفيه على النغم من عمق وشجن. فالإيقاع البصري، كما يراه، يتنفس داخل الحياة اليومية، ثم يتسلل من دون استئذان إلى الجمل الموسيقية التي يصوغها العازف.

وفي البصرة، تتجاور الثقافات البحرية والريفية والبدوية، لتصنع خزينا إيقاعيا ومقاميا بالغ الثراء. ومن هذا التداخل تولد البصمة الخاصة للموسيقي البصري؛ بصمة تختلط فيها حرارة الجنوب بدفء المكان وحزن الماء.

ويتوقف أصيل عند الفن الخشابي وألوان الغناء البحري البصري القديم، مؤكدا أنها لا تزال تختزن طاقات إيقاعية وتعبيرية كبيرة لم تُستنفد بعد. ويرى أن الجيل الجديد قادر على استعادتها وصياغتها برؤية معاصرة، تجمع أصالة الروح بتطور الآلات الحديثة، من دون أن تفقد تلك الفنون جوهرها أو تتحول إلى نسخة باهتة من الماضي.

أما المقطوعة الموسيقية، فلا تولد لديه وفق قانون ثابت. قد تبدأ بهمسة مقام، أو حركة إيقاعية، أو موقف إنساني يترك جرحا أو أثرا عميقا في النفس. تظهر الفكرة أولا كشرارة غامضة، ثم تنمو ببطء بين الأصابع والأوتار، حتى تصبح كيانا يمكن سماعه ورؤيته بالنور.

لهذا، لا يتعامل أصيل رحيم مع الموسيقى باعتبارها وسيلة تعبير فحسب؛ إنها، بالنسبة إليه، الوجود ذاته، واللغة الوحيدة القادرة على تجاوز حدود الكلام وقول ما يعجز اللسان عن النطق به. إنها الجسر الذي يصل الذات بالعالم في لحظة تجلٍّ صريحة، حين يصبح الوتر صوتا، والصوت اعترافا، والاعتراف حياة كاملة.

ورغم ثقته بثراء التجربة الموسيقية العراقية، يرى أصيل أن ما ينقص الموسيقي اليوم ليس الموهبة ولا الجمهور الذواق، بل المؤسسات الراعية والتعليم الأكاديمي المنهجي، فضلا عن المنصات والمسارح الحديثة التي تضمن الاستمرارية وتليق بعمق الإرث الحضاري العراقي.

وبين إرث الأب وذاكرة البصرة، يواصل أصيل رحيم العزف؛ كأنما يحاول في كل مقطوعة أن يمنح الصمت صوتاً، وأن ينقل إلى أوتار عوده شيئا من حفيف النخيل، وشيئا من دفء الجنوب، وكل ذلك الشجن الذي يتركه شط العرب في أرواح أبنائه.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى