
لم تتمكن المؤسسات الرقابية في العراق، بعد عام 2003، من تقديم أداء يتناسب مع حجم الخروقات التي رافقت عمل مؤسسات الدولة المختلفة، بل إنها اتُهمت في أحيان كثيرة بالتغاضي عن ملفات فساد، فضلاً عن إخفاء أو إهمال التقارير الصادرة عن لجان المراقبة والتدقيق والتحقيق. ويرى مراقبون أن هذا الواقع جاء نتيجة حالة من التمادي كرّستها القوى السياسية على مدى سنوات، هرباً من المحاسبة وفتح ملفات تمس نفوذها السياسي والمالي.
ويعتقد مختصون في مكافحة الفساد ومراقبون للشأن العراقي أن الأزمات المركبة التي تعيشها منطقة الشرق الأوسط، وما رافقها من تصعيد عسكري وتوترات إقليمية وصلت إلى إغلاق مضيق هرمز وتداعياته الاقتصادية العالمية، كشفت في العراق هشاشة الواقع المالي والإداري، وأظهرت الدولة أمام تحديات حقيقية تتعلق بضيق الخيارات الاقتصادية، وانسداد الأفق السياسي، وتغلغل الفساد في مختلف مفاصل الدولة.
ويرى هؤلاء أن تداعيات تلك الأزمات دفعت السلطات الحكومية والقضائية إلى التحرك لمحاولة احتواء الصدمة، بعد تصاعد المخاوف من وصول مؤشرات الدولة إلى مستويات خطرة تتطلب إجراءات تصحيحية عاجلة.
حضور ضعيف وملفات ضخمة
وفي ظل هذه التطورات، تحولت معركة مكافحة الفساد إلى أحد أبرز الملفات المطروحة على الساحة السياسية، وسط دعوات لتوسيعها وإبعادها عن الانتقائية. كما دفع هذا الواقع مجلس النواب العراقي، بوصفه أعلى سلطة رقابية وتشريعية في البلاد، إلى تخصيص جلسات لمناقشة تقارير المؤسسات الرقابية واستضافة مسؤوليها.
وكان آخر تلك الجلسات مخصصاً لمناقشة تقرير ديوان الرقابة المالية لعام 2025، وهو التقرير الذي أثار جدلاً واسعاً وانقساماً واضحاً داخل البرلمان بشأن تقييم أداء الديوان ودوره في مواجهة الفساد.
ورغم أن ديوان الرقابة المالية يُعد من أعرق المؤسسات الرقابية في العراق، إلا أن حضوره في المشهد العام خلال السنوات الماضية لم يكن بمستوى حجم الملفات التي وثقها في تقاريره، والتي تضمنت مؤشرات ومعطيات مهمة عن الفساد والهدر المالي. ويؤكد مراقبون أن التعامل الجدي مع تلك التقارير كان يمكن أن يحدث فارقاً ملموساً في جهود مكافحة الفساد، إلا أن الديوان نفسه تأثر، إلى حد ما، بالمناخ السياسي الذي سمح بتكريس الفساد داخل مؤسسات الدولة.
تشخيص غير دقيق
في المقابل، دافع عضو اللجنة القانونية النيابية محمد الخفاجي عن أداء الديوان، معتبراً أن تحميله مسؤولية الإخفاق في مكافحة الفساد أو محاسبة كبار الفاسدين يمثل تشخيصاً غير دقيق.
وأوضح الخفاجي أن ديوان الرقابة المالية يؤدي دوره من خلال توثيق المخالفات وحالات الهدر وشبهات الفساد في تقاريره الرسمية، فيما تقع مسؤولية اتخاذ الإجراءات اللاحقة على الجهات التنفيذية والرقابية والقضائية، إضافة إلى مجلس النواب.
وأكد أن الديوان لا يمكن مساءلته إلا إذا أخفق في إعداد تقاريره أو في تشخيص حالات الفساد، مشيراً إلى أن معظم ملفات الهدر المالي والمخالفات القانونية موثقة بالفعل في تقاريره، إلا أن المشكلة تكمن في ضعف الإجراءات التي تعقب صدور تلك التقارير.
وأضاف أن مجلس النواب مطالب بدعم الديوان وتوفير الإمكانات التي تمكنه من أداء مهامه بصورة أفضل، لافتاً إلى أن ما جرى خلال الجلسة الأخيرة ينسجم مع هذا التوجه ويعكس التزاماً بالنصوص الدستورية التي تنظم العلاقة بين البرلمان والديوان.
وبيّن أن قانون ديوان الرقابة المالية الاتحادي رقم (31) لسنة 2021 نص على ارتباط الديوان بمجلس النواب وتقديم تقاريره إليه، فضلاً عن إبلاغه بحالات عدم تعاون الوزارات والمحافظات والمؤسسات الحكومية التي تمتنع أو تتأخر في تزويده بالوثائق والأوليات المطلوبة، بما يتيح للبرلمان اتخاذ الإجراءات الرقابية اللازمة.
وشدد الخفاجي على أن مكافحة الفساد مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة كافة، ولا يمكن اختزالها بجهة واحدة، مؤكداً أن مجلس النواب يمتلك الأدوات الدستورية والتشريعية والرقابية لمساءلة المسؤولين، بما في ذلك سحب الثقة من الوزراء ومحاسبة المقصرين، ما يجعله شريكاً أساسياً في هذا الملف.
وختم بالقول إن الفساد أصبح منظومة متشابكة تتطلب عملاً مؤسسياً متكاملاً، مؤكداً وجود توجه داخل مجلس النواب لتفعيل دوره الرقابي بصورة أكبر، وأن ديوان الرقابة المالية يبقى أحد أهم الأذرع الرقابية التي يعتمد عليها البرلمان في كشف المخالفات وحماية المال العام.
اجابات غير مقنعة
على الجانب الآخر، تبنى النائب أبو تراب التميمي موقفاً أكثر حدة تجاه الديوان، معتبراً أن الأجوبة التي قدمها رئيس ديوان الرقابة المالية خلال جلسة مناقشة التقرير لم تكن مقنعة.
وقال التميمي إن إقالة رئيس الديوان أصبحت “مسألة وقت”، بعد منحه فرصة للإجابة عن جملة من التساؤلات، مشيراً إلى أن استمراره في المنصب يمثل خطراً في ظل استمرار غياب الحسابات الختامية.
واعترف التميمي في الوقت نفسه بوجود تقصير برلماني في هذا الملف، لكنه أرجع ذلك إلى الدورات النيابية السابقة، مؤكداً أنه يتحدث بصفته نائباً جديداً يدخل البرلمان للمرة الأولى.
اول استضافة بعد 2003!
بدوره، أكد عضو لجنة النزاهة النيابية طالب البيضاني أن استضافة ديوان الرقابة المالية شهدت طرح العديد من التساؤلات بشأن أدائه، مشيراً إلى وجود خلل في إدارة بعض الملفات وعدم امتلاك الديوان معلومات كافية تتيح له الإحاطة بجميع مفاصل الدولة.
وأضاف أن لجنة النزاهة النيابية، وبدعم من رئاسة مجلس النواب، ماضية في متابعة أداء الهيئات الرقابية والمؤسسات الحكومية، موضحاً أن استضافة ديوان الرقابة المالية تُعد الأولى من نوعها منذ عام 2003 رغم كونه من أهم المؤسسات الرقابية في البلاد.
وأشار البيضاني إلى أن المعلومات التي قدمها الديوان خلال الاجتماع لم تكن بالمستوى المطلوب، ما يستدعي مراجعة أدائه وتصحيح مساره واختيار شخصيات كفوءة ونزيهة لإدارته، مؤكداً أن اللجنة ستواصل استضافة الهيئات والمؤسسات الحكومية لتعزيز الرقابة وكشف المخالفات وحماية المال العام.
لجان برلمانية مختصة
وفي خضم هذا الجدل، انضم رئيس مجلس النواب إلى المنتقدين لأداء الديوان، مطالباً بإعادة صياغة التقارير المقدمة إلى البرلمان وتبويبها بطريقة أكثر وضوحاً.
غير أن هذا الطرح قوبل بانتقادات من متخصصين في عمل ديوان الرقابة المالية، أكدوا أن التقارير التي يعدها الديوان ذات طبيعة مهنية وتخصصية، وأن مسؤولية فهمها وتحليلها تقع على عاتق اللجان المختصة داخل البرلمان، ولا سيما اللجنتين المالية والقانونية، اللتين تمتلكان القدرة الفنية على التعامل مع مثل هذه الوثائق.
ساحة صراع سياسي
ورغم السجال السياسي الذي رافق مناقشة التقرير، يرى مراقبون أن تقرير ديوان الرقابة المالية لعام 2025، الذي تجاوزت صفحاته الـ600 صفحة، قدّم صورة تفصيلية لحجم الفساد والمخالفات في مختلف قطاعات الدولة، ويُمثل فرصة مهمة لدعم جهود مكافحة الفساد إذا ما جرى التعامل معه بجدية.
ويحذر هؤلاء من تحويل الملف إلى ساحة صراع سياسي داخل البرلمان، خصوصاً أن التجارب السابقة أظهرت إخفاقاً واضحاً في التعامل مع التقارير الرقابية، سواء عبر تجاهلها أو التستر على ما تتضمنه من مخالفات، أو تحويلها إلى أدوات للضغط والابتزاز السياسي، بدلاً من أن تكون منطلقاً حقيقياً للمحاسبة والإصلاح.
تهريب نفط العراق!
ومن بين عشرات الملفات التي وثقها ديوان الرقابة المالية، وثائق عن تفاصيل ما وصفته الجهات الرقابية بملف تهريب النفط الخام وزيت الوقود العراقي عبر المياه الإقليمية في منطقة المخطاف، متضمنةً مخالفات إدارية ورقابية وأمنية ارتبطت بعمليات مناولة نفطية أدارتها شركة “تاج البحر” للخدمات البحرية والمقاولات والتجارة العامة.
وبحسب كتاب دائرة تدقيق المنطقة الثانية المرقم (34767) والمؤرخ في 4 نيسان 2025، فإن التحقيقات والوثائق الأولية الخاصة بملف تهريب النفط كشفت سلسلة ملاحظات تتعلق بعقد أبرمته الشركة العامة لموانئ العراق مع شركة “تاج البحر” عام 2019 لإدارة عمليات مناولة البضائع والمنتجات النفطية من سفينة إلى أخرى (STS) في المياه الإقليمية العراقية لمدة 12 عاماً.
وأشار التقرير إلى أن العقد منح الشركة صلاحية تنفيذ عمليات مناولة المشتقات النفطية بين الناقلات، رغم أن هذا النشاط يدخل ضمن الاختصاصات التسويقية لشركة تسويق النفط (سومو)، ومن دون وجود تنسيق معها، خلافاً للنظام الداخلي للشركة. كما لفت إلى أن وزارة النفط كانت قد حذرت منذ عام 2020 من أن أسلوب المناقلة البحرية قد يُستخدم في عمليات تهريب النفط الخام والمنتجات النفطية.
ورصد الديوان إخفاق الشركة العامة لموانئ العراق في اتخاذ الإجراءات القانونية والعقوبات التعاقدية بحق شركة “تاج البحر” رغم عدم التزامها بنصب أجهزة ملاحية متطورة لمراقبة حركة السفن في منطقة العمل، وهي أجهزة اعتُبرت أساسية للحد من عمليات التهريب ومراقبة النشاط البحري.
كما كشف التقرير عن عدم قيام موانئ العراق بمفاتحة قيادة القوة البحرية لتأمين الحماية الأمنية لعمليات المناقلة النفطية التي نفذتها الشركة، خلافاً لشروط العقد، الأمر الذي أدى إلى غياب الرقابة الأمنية على تلك العمليات وفتح المجال أمام أنشطة قد تُستغل في تهريب النفط ومشتقاته.
وفي واحدة من أبرز الملاحظات، أشار الديوان إلى قيام شركة “تاج البحر” بتنفيذ عمليات مناولة مع الناقلة “La Rosa” المسجلة بالرقم (IMO 9159660)، في حين أظهرت بيانات أنظمة التتبع الدولية المعتمدة لدى شركة تسويق النفط أن الناقلة قامت ببيع شحنات من زيت الوقود انطلاقاً من ميناء خور الزبير رغم عدم إدراجها ضمن قوائم الناقلات المعتمدة لبرامج التحميل الرسمية.
ووفقاً لما ورد في كتاب وزارة النفط المؤرخ في 9 كانون الثاني 2020، فإن ذلك يشير إلى أن زيت الوقود الذي تم تسويقه عبر الناقلة يعد مهرباً، فيما لم تزود الشركة العامة لموانئ العراق الجهات الرقابية بمعلومات تتعلق بموقع المناقلة أو كميات الشحنات التي تم تداولها.
وبيّن التقرير أن موانئ العراق أنهت عقدها مع شركة “تاج البحر” في تشرين الثاني 2020، بعد فترة قصيرة من مخاطبة وزارة النفط هيئة النزاهة بشأن وجود ناقلات تقوم بتحميل وتصدير شحنات من زيت الوقود المهرب باستخدام مستندات شحن عراقية، إلا أن الجهات الرقابية أكدت عدم حصولها على تفسير رسمي لأسباب إنهاء العقد رغم طلب ذلك لاحقاً.
وفي سياق متصل، سجل ديوان الرقابة المالية ملاحظة تتعلق بتوقف منظومة التعريف الآلي للسفن (AIS) الخاصة بتتبع حركة البواخر الداخلة والخارجة من الموانئ العراقية، رغم أن كلفة إنشائها بلغت 994 ألف دولار عام 2014. وأكد التقرير أن تعطيل المنظومة حرم الجهات المختصة من أداة مهمة لمراقبة حركة السفن والحد من عمليات تهريب النفط الخام والمشتقات النفطية، مشيراً إلى أن الشركة العامة لموانئ العراق لم تقدم معلومات دقيقة بشأن تاريخ تشغيل المنظومة أو أسباب توقفها.
كما كشف التقرير عن وجود شبهة تزوير في شهادة منشأ خاصة بشحنة زيت وقود تبلغ 95 ألف طن نقلتها الناقلة “Proud Nadia”، بعد أن أكدت الشركة العامة للمعارض والخدمات التجارية العراقية أن التواقيع المثبتة على الوثيقة غير صحيحة ولا تعود لموظفيها في البصرة. وأوضح التقرير أن شركة “تاج البحر” كانت الوكيل الملاحي للناقلة المذكورة.
وتفتح هذه المعطيات، بحسب الجهات الرقابية، ملفاً واسعاً يتعلق بآليات الرقابة على المناقلة البحرية للمنتجات النفطية، ومدى فاعلية الإجراءات الأمنية والإدارية المتبعة في الموانئ العراقية، في واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بملف تهريب النفط خلال السنوات الماضية.



