اقتصادالعراقسياسةمحليات
أخر الأخبار

شراء “البطالة” بنصف راتب.. هل ينجح قانون منح الإجازات الطويلة بإنقاذ الموازنة؟

يواجه الاقتصاد الوطني معضلة بنيوية تُعرف بـ”الترهل الوظيفي”، حيث تحول الجهاز الإداري للدولة إلى مخزن هائل للبطالة المقنعة التي تلتهم الجزء الأكبر من الموازنات السنوية تحت بند النفقات الجارية والرواتب. وفي محاولة لمواجهة هذا التحدي، قدمت السلطة التشريعية اليوم “مقترح قانون منح الموظف إجازة اعتيادية طويلة” وانجزت القراءة الأولى له بصفته أداة مالية تهدف -بحسب ما يرى مراقبون- إلى تخفيف العبء المالي عن كاهل الموازنة العامة، وإلا، ما الحاجة لهكذا قانون يوزع الاجازات بدون أسس ومحددات وضرورات منطقية. والسؤال الذي يُطرح هنا: هل يمثل هذا القانون حلا حقيقيا للأزمة، أم أنه مجرد “مسكن موضعي” يرحل المشكلة ويخلق أزمات هيكلية جديدة؟

فلسفة الدفع مقابل عدم العمل

يمنح مقترح القانون للوزير أو رئيس الجهة المعنية أو المحافظ صلاحية إعطاء الموظف المثبت (الذي أمضى سنة واحدة في الخدمة الفعلية) إجازة لمدة خمس سنوات أو أكثر برغبته، مع منحه 50 بالمئة من راتبه الاسمي.

ومن منظور مالي، يعكس هذا النص اعترافا حكوميا ضمنيا بأن الموظف في موقعه الحالي لا يمثل قيمة إنتاجية مضافة. فالدولة هنا تفضل دفع نصف راتبه الاسمي لقاء جلوسه في المنزل، بدلا من إعادة هيكلته وتدريبه ليكون منتجا. لذلك تعتبر المسودة المقترحة للقانون بمثابة عملية “شراء بطالة” مقننة ومشرعنة بأموال عامة، فهي لا تقدم أسباب منطقية لطلب الأجازات، ولا شروط ملزمة لها، ونصوصها تفتح الباب أمام الجميع لتقديم الطلبات والجلوس في المنازل بعد حجز الدرجة الوظيفية التي يقاتل العاطلين للحصول عليها.

تصدير الأزمة إلى القطاع الخاص

وتتيح المادة (5) من المقترح للموظف المجاز العمل في القطاع الخاص طيلة فترة إجازته، استثناءً من القوانين النافذة التي تحظر ذلك.

وتبدو هذه المادة ظاهريا كمكسب ذهبي للموظف لتحسين دخله. لكن الواقع الاقتصادي يطرح سؤالا صادما: هل يمتلك القطاع الخاص المترنح القدرة على استيعاب آلاف الموظفين الهاربين من البيروقراطية الحكومية؟ وفي ظل غياب سياسات حقيقية لدعم المصانع والمزارع والمشاريع الإنتاجية الوطنية، فإن هذه المادة قد تؤدي إلى زيادة الضغط على سوق العمل المحدود، أو تدفع بالموظفين نحو قطاع غير منظم لا يساهم في دفع عجلة التنمية.

تجميد الشهادات وتكريس الجهل الوظيفي

وتنص المادة (4) صراحة على أنه “لا يتم احتساب الشهادة الدراسية” التي يحصل عليها الموظف أثناء تمتعه بهذه الإجازة لأغراض الوظيفة.

ويمثل هذا النص ضربة موجعة لطموح الكفاءات الشابة وتطوير الذات الوظيفية. فبدلا من تشجيع الموظفين على استغلال إجازاتهم لتطوير معارفهم والعودة بشهادات تخصصية ترفع كفاءة المؤسسات الحكومية، يعاقب القانون طالبي العلم بحظر تعديل عناوينهم أو رواتبهم. هذه المادة تعكس رغبة واضحة في إبقاء الهيكل البشري للدولة ثابتا في مستواه التعليمي الحالي لتلافي أي التزامات مالية مستقبلية، حتى لو كان الثمن تجميد الكفاءة. وفي مقابل ذلك، يحصل المئات بل الآلاف من الموظفين وغيرهم على شهادات شكلية بلا قيمة معرفية من جامعات هزيلة خارج العراق.

ويبدوا إن مقترح قانون الإجازات الطويلة لعام 2026 هو محاولة للهرب إلى الأمام. فبدلا من مواجهة الترهل الوظيفي بخطط تنموية جريئة، وبناء اقتصاد إنتاجي قادر على استيعاب العاطلين، تختار السلطة التشريعية الحل الأسهل: دفع الموظف لترك وظيفته مع إبقائه في سجل الرواتب الأسمية بنسبة 50 بالمئة، دون مبررات حقيقية، ليدخل سوق عمل متهالك تحت غطاء قانوني استثنائي. لذا فأن هذا القانون لا يعالج ترهل الدولة مما يبدوا من طبيعته، بل يميل إلى كونه يدير هذا الترهل بشكل آخر، ويدفع بقطاع الوظيفة العامة نحو مزيد من الركود الفكري والعملي.

الكارثة تمتد إلى المتعاقدين

كما ذهبت المادة 6 من مقترح القانون إلى شمول فئة الموظفين غير المثبتين على الملاك الدائم (العقود) بأحكام الإجازات الطويلة، مع ضمان حقهم بالعودة لاستكمال مدتهم التعاقدية فور انتهاء إجازاتهم.

فهذه المادة تمثل، من المنظور الإداري والمالي، خللا بنيويا ينسف الغاية القانونية التي أُسست عليها فكرة “التعاقد الوظيفي” في مفاصل الدولة.

بمعنى آخر، هي تنسف مبرر التعاقد الاستثنائي لأن مؤسسات الدولة تلجأ لخيار التعاقد كإجراء مرن لمعالجة نقص طارئ، أو لإنجاز خدمات ومشاريع محددة ومقيدة بزمن معين. فبالتالي، السماح لمتعاقد مؤقت بالذهاب في إجازة طويلة دون عذر قاهر (كالمرض أو العوارض الإنسانية الشديدة)، يفقد العقد مبرره القانوني والعملي، ويتحول إلى أداة لـ “تجميد الشواغر” بلا طائل.

كما يخلق شللا إداريا في الدوائر، لإن إلزام الدوائر الحكومية بموجب القانون بـ “حفظ حق المتعاقد” لإكمال عقده بعد فترة من الغياب غير المبرر، سيؤدي حتما إلى إرباك العمل الإداري. وبالإضافة إلى ذلك هو غياب المسوغ الموضوعي: فالمتعاقد، بخلاف موظف الملاك الدائم، ترتبط علاقته بالدولة بتقديم خدمة زمنية محددة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى