العراقحكايات
أخر الأخبار

عطر الأمهات في خيوط القرنفل.. أنور مجيد يصون حكاية من تراث نساء كردستان

بين خيوط ملونة وحبات خرز تلمع تحت الضوء، يجلس أنور مجيد منشغلا بصناعة قطع صغيرة من الزينة. يرتب مكوناتها، ويجمع أعواد القرنفل وعشبة الشمري المجففة في أساور وقلائد وقطع لتزيين الرأس، تحمل إلى جانب ألوانها رائحة مألوفة، يجد فيها بعض زبائنه شيئا من البيوت القديمة وذكريات الأمهات والجدات.

في هذه الحرفة، تتداخل الزينة مع الذاكرة. فالقطعة التي ترتديها شابة في مناسبة، قد تستعيد لدى امرأة أخرى تفاصيل من طفولتها، أو صورة أم كانت تتزين بالقرنفل والشمري في الأعراس والأعياد. وبين الاستخدامين، يواصل أنور عملا يحافظ من خلاله على تقليد توارثته نساء كردستان عبر الأجيال.

يعمل أنور في صناعة هذه القطع منذ سنوات، ويقول لـ”طريق24″ إن قيمتها تتجاوز شكلها، لما تحمله من عناصر تراثية وجمالية. ويوضح أن أعواد القرنفل تمنحها رائحة طيبة تدوم أياما، فيما تدخل عشبة الشمري، المستخدمة منذ القدم في زينة النساء الكرديات، في تكوينها العطري.

ومع اجتماع الخيوط والخرز والنباتات المجففة، تصبح الرائحة جزءا من حضور القطعة. فهي ترافق من يرتديها، وتمنحها خصوصية يجد فيها محبو هذه المصنوعات صلة بتجاربهم العائلية وهويتهم الثقافية.

لهذا، تتنوع أسباب اقتنائها. بعض الزبائن يبحثون عن زينة للمناسبات، وبعضهم يستعيد من خلالها ذكريات الطفولة والعائلة، فيما يحرص آخرون على إبقاء هذا الموروث حاضرا، ونقله إلى الأجيال الجديدة عبر قطع يمكن ارتداؤها واستخدامها في الحياة اليومية.

زينة تتجدد بأذواق الشابات

وتجد هذه الحرفة امتدادها لدى شابات كرديات يقبلن على ارتداء هذه المصنوعات خلال المناسبات القومية والأعياد. وبحسب أنور، تطلب بعضهن تصاميم تتناسب مع ألوان ملابسهن، فيما ترغب أخريات بإضافة أسمائهن إلى الخيوط التي تتدلى منها حبات القرنفل.

تمنح هذه الطلبات كل قطعة طابعا شخصيا، وتفتح أمام الحرفة مساحة للتجدد. فالمكونات الموروثة تبقى حاضرة، بينما تتغير الألوان والتفاصيل لتلائم ذوق من ترتديها. وبهذه الطريقة، يستمر التقليد من خلال استخدامه وتكييفه مع اختيارات جيل جديد.

من الحلي إلى الخزائن والسيارات

ولا ينتهي حضور هذه الروائح عند الأساور والقلائد. يضع أنور عشبة الشمري المجففة في أكياس قماشية صغيرة، يقتنيها زبائن لتعطير الخزائن وحقائب اليد، أو للاحتفاظ بها بين الملابس.

ويشير إلى أن بعضهم يشتري هذه الأكياس لهذا الغرض تحديدا، لأن رائحة العشبة تبقى لفترة طويلة. وهكذا، تنتقل المكونات نفسها من زينة ترتدى في المناسبات إلى تفاصيل ترافق أصحابها داخل البيت وخارجه.

كما امتدت استخدامات هذه المصنوعات إلى الرجال، إذ يعرض أنور خيوطا عطرية يعلقها بعضهم داخل سياراتهم، بالقرب من المرآة. هناك، تأخذ القطعة مكانا مختلفا، لكن صلتها بالذاكرة تبقى حاضرة، برائحة تذكرهم بالبيت والأم والطفولة.

هذا التنوع في الاستخدام يمنح الحرفة سبلا إضافية للاستمرار. فالقلادة والسوار والكيس القماشي والخيط المعلق في السيارة، أشكال مختلفة لمكونات تجمع أصحابها على الألفة مع رائحتها والرغبة في الاحتفاظ بها.

وقت وجهد وإحساس

بالنسبة إلى أنور، ترتبط صناعة هذه القطع بالاحتفاظ بجزء من التراث الكردي، في وقت تتغير فيه الأذواق وتتعدد أشكال الزينة الحديثة. ويمنح كل تصميم ما يحتاجه من وقت وعناية، ليجمع بين المكونات العطرية والتفاصيل التي يطلبها الزبائن.

وهو يعيد ترتيب القلائد والأساور، يختصر علاقته بحرفته قائلا: “كل قطعة هنا وراها وقت وجهد وإحساس، مو بس شغل يد، هذا شغل قلب”.

بين يديه تبدأ القطعة بخيط وخرز وقرنفل، ثم تكمل رحلتها مع من يقتنيها. قد تظهر في عيد أو مناسبة، أو تستقر بين الملابس، أو تتدلى قرب مرآة سيارة. وفي كل مرة، تحمل معها رائحة يجد فيها أصحابها طريقا إلى ذكرى قديمة، وتمنح حرفة الأمهات والجدات مكانا في حياة جيل جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى