العراقالمشهدسياسة

فرحة حذرة.. هل تنجح “صولة الفجر” في طمأنة العراقيين أم تعيد إليهم شبح “سرقة القرن”؟

يعيش العراقيون هذه الأيام، فرحة حذرة، بعد اعتقال عدد من نواب البرلمان والمسؤولين المتهمين بقضايا فساد، فضلا عن تورطهم في قضية وكيل وزارة النفط العراقية لشؤون التصفية ورئيس شركة نفط الشمال، عدنان الجميلي، من خلال حصولهم على أموال كبيرة لدعم حملاتهم الانتخابية، بحسب ما أعلنه القضاء، يوم أمس.

الفرحة الحذرة ارتبطت بذاكرة مريرة، إذ تزامنت مع بدايات تشكيل الحكومة السابقة برئاسة محمد شياع السوداني، والقاء القبض على شبكة فساد في سرقة الأموال الضريبية أو ما تعرف بـ”سرقة القرن” آنذاك، وما شهدته من تداعيات فيما بعد، قادت الى معلومات جديدة تشير إلى ان مبالغ السرقة تضاعفت من 2.5 مليار دولار إلى نحو 5 مليارات دولار، اضافة الى تورط 30 شخصية جديدة، نقلاً عن حديث عضو في لجنة النزاهة البرلمانية للصحيفة الرسمية.

سرقة الامانات الضريبية “سرقة القرن” وافلات المتورطين بها من العقاب، ومحاولات طمس الحقائق ومن يقف خلفها، اضافة الى الكشف عن متورطين جدد خلال سير عمليات التحقيق ومحاولاتهم الحصول على غنائم من السرقة، جميع هذه الأحداث بقيت عالقة في ذاكرة العراقيين، وشكلت حاجزا نفسيا مقابل أي تطمينات أو وعود جديدة بالقضاء على بنية الفساد والاطاحة بكبار الفاسدين ومحاكمتهم، والحديث هنا يرتبط بشكل وثيق مع “صولة الفجر” التي يتردد صداها بقوة هذه الأيام، محلياً ودولياً.

التزام بالوعود!

في الاثناء، نقلت إذاعة “مونت كارلو” عن دبلوماسي عراقي، أن عمليات القاء القبض تأتي في إطار استعداد رئيس الوزراء، علي الزيدي، لزيارة واشنطن في وقت لاحق من هذا الشهر لإظهار التزامه بوعوده”.

ونقلت الإذاعة عن مسؤول أمني عراقي، طلب عدم كشف هويته، ان عمليات الدهم شملت قضايا تتعلق بملف تمويل الفصائل والنفط الإيراني وتهريب الدولار، إضافة للفساد، في إشارة إلى الفصائل المدعومة من طهران.

ويعتزم رئيس الوزراء، علي الزيدي، زيارة واشنطن منتصف تموز المقبل بناء على دعوة من البيت الأبيض، وتشير البيانات الرسمية إلى ان حقيبة الملفات العراقية تتقدمها العلاقات الاقتصادية والشراكات في قطاع الطاقة، فيما تتحدث المصادر الغربية عن مطالب امريكية محددة تتعلق بمستقبل العراق وعملية حصر السلاح وفك ارتباط الجماعات المسلحة عن المسار السياسي وانهاء دور الفصائل المرتبطة بإيران، فضلا عن تقديم الدعم للحكومة الجديدة في باقي الملفات.

وعلى الرغم من الحديث عن ضغط أمريكي يقف خلف عمليات ملاحقة الفاسدين، ارتباطا بادراج وكيل وزير النفط لشؤون التوزيع، علي معارج البهادلي، على قائمة العقوبات الأمريكية بتهم تهريب النفط لصالح إيران، والذي جرى اعتقاله ضمن قائمة المطلوبين الأخيرة، إلا ان مصادر أخرى كشفت عن مسارات اخرى كانت السبب في اعتقال مطلوبين آخرين، ترتبط بحوادث تقصير واهمال حكومي، واثراء مالي وابتزاز شركات اجنبية ومحلية مقابل الحصول على كومشنات ضخمة.

اختبار للزيدي

أستاذ العلوم السياسية، إياد العنبر، قال أن “رئيس الوزراء علي الزيدي يقف أمام اختبار غير مسبوق، قد يتحول إلى انقلاب بنيوي على المنظومة السياسية التي جاءت به إلى السلطة، إذا ما استمر في ملاحقة ملفات الفساد دون استثناء”.

وأكد العنبر في لقاء متلفز تابعته “طريق24″، أن “نجاح هذا المسار يعتمد على ركيزتين أساسيتين، الأولى تتمثل في الإسناد القضائي الكامل للإجراءات الحكومية، والثانية في الدعم الشعبي”، مشيرا إلى أن “الشارع العراقي سيكون مستعدا للدفاع عن أي مشروع إصلاحي يستهدف الفساد، حتى لو طال أطرافا من القوى السياسية الداعمة للحكومة”.

وأضاف أن “المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حساسية، ولا سيما بعد الزيارة المرتقبة لرئيس الوزراء إلى واشنطن، والتي قد تفتح الباب أمام تحركات أوسع في ملفات العقوبات والفساد، بعد أن شهدت الأيام الماضية اعتقال شخصيات كانت تعد سابقا بعيدة عن المساءلة”.

6 من أصل 12!

من جهته، أوضح النائب السابق أمير المعموري أن “القرار السياسي في العراق لا يصنع على طاولة واحدة، بل عبر طاولات معلنة وأخرى تعمل بعيدا عن الأضواء، معتبرا أن “نجاح الحكومة في تطبيق العدالة على جميع الأطراف دون تمييز سيؤدي إلى تقليص نفوذ مراكز القوى التقليدية”.

وأشار المعموري في لقاء متلفز تابعته “طريق24” إلى أن “الزيدي اذا طبق العدالة فعلا، فسنرى، الطاولة التي تضم الـ12 شخصا سيبقى  منها 6 اشخاص فقط، والامر كذلك لطاولات الخفاء التي تدير المشهد”، في اشارة الى طاولتي الإطار التنسيقي الشيعي، وائتلاف ائدارة الدولة الذي يضم باقي مكونات القوى السياسية السنية والكردية.

واشار المعموري، إلى أن “معيار نجاح الحملة الحالية لن يكون بعدد المعتقلين، وإنما بقدرة الحكومة على تجاوز المحاصصة السياسية وإخضاع الجميع لمعيار قانوني واحد، بعيدا عن الانتماءات الحزبية أو المكوناتية”.

تطور غير مسبوق

أما المحلل السياسي غالب الدعمي، فيصف ما جرى بأنه تطور غير مسبوق في تاريخ مكافحة الفساد، مؤكدا أن “التنسيق بين الحكومة والسلطة القضائية وهيئة النزاهة يمثل لأول مرة حالة انسجام حقيقية بين أضلاع منظومة مكافحة الفساد، بعد سنوات من التباين في المواقف بين هذه المؤسسات”.

ويعتقد الدعمي أن “الإجراءات الأخيرة أعادت جزءا من ثقة الشارع بإمكانية محاسبة شخصيات كانت تعد بمنأى عن المساءلة”، معتبرا أن الفساد يقف وراء جزء كبير من الأزمات الخدمية والاقتصادية التي يعاني منها العراقيون”.

لا ملاذ للفاسدين

وفي السياق ذاته، أعلن رئيس الوزراء الأسبق حيدر العبادي دعمه الكامل لإجراءات ملاحقة الفاسدين، داعيا إلى أن “تكون مكافحة الفساد شاملة ومستدامة، وألا تخضع للتوازنات السياسية، وأن تتحول إلى مشروع إصلاح بنيوي ينهي المحاصصة ويؤسس لدولة المؤسسات والقانون”.

أما وزير الخارجية الأسبق هوشيار زيباري فشدد على أن “إقليم كردستان لن يكون ملاذا للفاسدين أو المتورطين بسرقة المال العام”، مضيفا أن “الإقليم كان وسيبقى ملجأ للمضطهدين، لكنه لن يوفر الحماية للمجرمين”.

وفي وقت سابق، سلّم إقليم كردستان ثمانية مطلوبين إلى الحكومة الاتحادية، من ضمنهم ثلاثة نواب في البرلمان العراقي وهم: زياد الجنابي، ومحمد المياحي، وأشواق الجبوري، بالإضافة إلى خمسة مسؤولين وموظفين كبار. وجاءت عملية التسليم في سيطرة “آلتون كوبري” بعد إلقاء القبض عليهم في أربيل، وذلك على خلفية قضايا تتعلق بالفساد المالي وهدر المال العام.

وبحسب مراقبون فأن الاعتقالات الأخيرة وضعت الحكومة أمام اختبار حقيقي، إذ إن استمرار الإجراءات واتساعها لتشمل جميع المتورطين، بغض النظر عن مواقعهم السياسية، سيمنحها تأييدا شعبيا وسياسيا، أما إذا توقفت عند حدود معينة أو خضعت للتسويات، فإنها قد تفسر باعتبارها خطوة مؤقتة لا ترقى إلى مستوى الإصلاح الشامل.

وبين موجة الاراء المتضاربة، تبقى الأيام المقبلة كفيلة بالإجابة عن السؤال الأهم: هل بدأت الدولة العراقية فعلا مرحلة كسر الخطوط الحمراء في مكافحة الفساد، أم أن ما جرى سيظل حدثا استثنائيا فرضته ظروف المرحلة؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى