
كان يأتي صغيرا برفقة والده ليأكل الفلافل، ثم كبر وعاد إلى المكان نفسه، وهذه المرة بصحبة ابنه. يتذكر علي جاني ذلك الزبون كما يتذكر بدايات عربانته في أحد شوارع الكوت؛ فقد مضت أكثر من ثلاثة عقود، تبدلت خلالها وجوه وأحوال، واتسع العمل الذي بدأ بحثا عن رزق يوم واحد، ليصبح مصدر دخل لتسعة عشر عاملا وعوائلهم.
عربانة صغيرة ورزق يوم بيوم
في بداية التسعينات، وسط ظروف اقتصادية صعبة، بدأ “علي جاني” بيع الفلافل بإمكانات بسيطة. لم تكن العمارة التي يمتلكها اليوم جزءا من بدايته؛ كانت أمامه عربانة صغيرة، وعليه أن يبيع ما يكفي ليشتري مواد اليوم التالي ويواصل العمل.
ويقول في حواره مع “طريق 24”: “بدأت عملي بعربانة فلافل صغيرة أبيع فيها رغم قسوة الظروف، أحيانا تصلني نقود سويسرية قديمة بلا قيمة في السوق، لكنني كنت أقبلها وأواصل لأن الرزق الحلال لا يُضيع. كان كيلو الحمص آنذاك ربع دينار، نبيع ونشتري ونعيش يوما بيوم”.
وعبارته الأخيرة تختصر البدايات: بيع وشراء لضمان المعيشة اليومية، ومحاولة للاستمرار بما يتوافر بين اليدين. ومع السنوات، أخذ العمل مساحة أكبر في الشارع وفي حياة صاحبه، فتحولت العربانة إلى محل، قبل أن يتمكن علي من شراء العمارة التي كانت تقف أمامها.

من رزق رجل إلى معيشة عوائل
ويضيف علي: “مرت أكثر من 33 سنة، تحولت العربانة الصغيرة إلى محل ثم توسع ليضم اليوم تسعة عشر عاملا يعملون معي ويعيلون عوائلهم، بعد أن اشتريت العمارة التي كانت أمام عربانتي”.
هنا تأخذ الحكاية معناها الأوسع. فالعمل الذي كان يؤمّن معيشة صاحبه في أيام الحصار العسيرة، بات يوفّر دخلا لعوائل أخرى، ويربط استقرارها باستمرار مشروع محلي بدأ بإمكانات متواضعة. ويظهر نجاحه في عدد الذين أصبح لهم رزق فيه، إلى جانب ما حققه صاحبه من توسع.
وبعض الذين عملوا مع علي حملوا خبرتهم إلى أماكن أخرى، وبدأوا تجاربهم المستقلة. ويقول علي: “كثير منهم تعلموا وافتتحوا محلاتهم الخاصة وصاروا أصحاب مشاريع ناجحة”. وبذلك امتد أثر المحل خارج أبوابه، عبر مهارة تعلّمها عامل ثم اتخذ منها أساسا لمشروعه الخاص.

جاءوا مع آبائهم وعادوا بأبنائهم
وبينما كان العمل يتسع، ظل للمكان وجه آخر تحفظه ذاكرة الزبائن. يستذكر علي قائلا: “أتذكر زبونا كان يأتي مع والده وهو صغير، واليوم يزورني مع ابنه حاملا معه ذكريات والده وبساطتها”.
وتمنح هذه العودة المتكررة للمحل مكانا في الحياة اليومية للمدينة. فشراء وجبة قد يرتبط بذكرى أب أو بسنوات الطفولة، ويصبح الرجوع إليها عادة تنتقل داخل العائلة. فمن خلف عمله، تابع علي بعض هذه التحولات، ورأى أطفالا يكبرون ثم يعودون آباءً.
وفي ذاكرته أيضا مشاهد عن زبائن غير مألوفين. يروي أن جنودا أمريكيين، خلال فترة الاحتلال، كانوا يقفون في طوابير لشراء الفلافل، ويقول إنهم كانوا يدفعون دولارا مقابل لفة كان سعرها مئة دينار فقط، عازيا إقبالهم إلى مذاقها اللذيذ.

تلك واحدة من حكايات كثيرة رافقت المكان، لكن ما بقي من رحلة علي جاني يتجاوز غرابة المواقف. فبعد أكثر من ثلاثة وثلاثين عاما، ما زال المشروع الذي بدأ لتدبير معيشة يومية يعمل، ويوفّر أرزاقا، ويمنح آخرين خبرة يبدأون بها. وفي الكوت، يعود إليه زبون ممسكا بيد ابنه، كما كان والده يفعل معه يوما.



