العراقحقوقسياسةمجتمعمحليات
أخر الأخبار

محامٍ: المدونة الجعفرية تشرعن تزويج فتيات بعمر 9 سنوات وتسلب النساء حقوقهن وتقوّض سلطة القضاء

صياغة سياسية بعيدة عن الروح الحية للمذهب الجعفري القائمة على الاجتهادات وتعدد المراجع

قال المحامي علي فلاح، إن المنطلق الأساسي والدافع الجوهري الذي يجعله يقف في خندق الدفاع عن المرأة العراقية بخصوص مواد المدونة الجعفرية المستحدثة، هو إيمانه الراسخ بضرورة الدفاع عن الدولة المدنية الحديثة التي تحكمها سيادة القانون والمواطنة المتساوية، لحماية فئة واسعة ومهمشة تاريخياً من التمييز الاجتماعي والاقتصادي.

وأوضح فلاح خلال حديثه لـ”طريق24″، أن المرأة هي شريكة الحياة والركيزة الأساسية لاستقرار المجتمع، مؤكداً أن الدفاع عنها ليس انحيازاً، بل هو دفاع عن نصوص الدستور العراقي، ولا سيما المادة 14 التي تقر بمساواة جميع العراقيين أمام القانون دون تمييز بسبب الجنس أو المذهب، والمادة 41 التي جعلت خيار الأحوال الشخصية حقاً مكفولاً لجميع المواطنين، ذكوراً وإناثاً، على حد سواء.

وأضاف أن التعديلات الحالية جاءت بآلية إجرائية بالغة الخطورة، تتيح للزوج، بالإرادة المنفردة، تحويل عقد الزواج بأثر رجعي ودون رضا الزوجة أو علمها، مما يمثل خرقاً لمبدأ المساواة الدستوري وسلباً إجبارياً لحريتها المدنية، ونكثاً للعهود والمواثيق التأسيسية لعقد النكاح الذي سماه القرآن الكريم “ميثاقاً غليظاً”، وأمر بالوفاء به صراحة في سورة المائدة.

كيف تُستغل المادة 68 ضد المرأة؟

وفي رده على سؤال بشأن المواد الأخرى التي قد تجحف بحق المرأة، إلى جانب الإشكالات المتعلقة بالحضانة، وشروط الحصول على النفقة، قال فلاح إن المادة 68 من المدونة ربطت النفقة بالتمكين الفعلي، وقضت بسقوط نفقة الزوجة تلقائياً بمجرد خروجها من دار الزوجية وامتناعها عن التمكين، دون انتظار صدور حكم قضائي بات بالنشوز.

وأوضح أن هذا النص يستغله الزوج المعنّف أو السكير أو المتعاطي لتجويع زوجته وتنشيزها إذا هربت بجلدها لحماية نفسها وأولادها من الخطر، ثم يقوم بمساومتها وابتزازها مالياً وإجبارها على التنازل عن كامل مهرها ونفقة وحضانة أطفالها مقابل فك أسرها بالطلاق.

ووصف فلاح ذلك بأنه “العضل المحرّم قطعاً بالقرآن”، مستشهداً بالآية 19 من سورة النساء.

تجميد التفريق القضائي وأزمة “أولاد الشبهة”

وفي ما يتعلق بالتفريق القضائي، قال فلاح إن المدونة صادرت ولاية القضاء العراقي في إيقاع التفريق القضائي للضرر، واشترطت إذن الحاكم الشرعي خارج المحكمة وموافقة الزوج.

وأضاف أنه إذا حكمت المحكمة بالتفريق وتزوجت المرأة من رجل ثانٍ، اعتبرت المدونة حكم القضاء حبراً على ورق وباطلاً، واعتبرت المرأة زانية أو ما زالت في عصمة الأول، ووصمت أطفال الفراش الثاني بلقب “أولاد شبهة”، مما يهدد السلم الأهلي والأمن الأسري المضمون في المادة 29 من الدستور العراقي.

مدونة تسمح بتزويج الفتاة بعمر 9 سنوات

وفي ما يتعلق بسن الزواج، وصف فلاح ما يُطرح بشأن منع المدونة تزويج القاصرات بأنه “اللبس التشريعي الكبير والخديعة القانونية” التي يحاول أنصار المدونة تمريرها على المجتمع العراقي، بادعاء أن المادة 2، الفقرة 3/و/أولاً، ألزمت المجلس العلمي بعدم تقليل سن الزواج في نصوص المدونة عن 15 عاماً، تماشياً مع المادة 8 من قانون الأحوال الشخصية رقم 188.

وأوضح أن هذا الكلام، نظرياً وشكلياً، صحيح في صياغة متن المدونة، لكنه باطل ومخالف للواقع العملي في آلية النفاذ، مشيراً إلى أن التعديل الجديد ألغى وعطّل بالكامل كافة العقوبات والقيود الجنائية الصارمة عن الزواج الخارجي، أي عقود الشيوخ والمكاتب الشرعية العشوائية، لمن يختار تطبيق المدونة.

وبيّن أن النتيجة الإجرائية المترتبة على ذلك هي إباحة قيام الولي بتزويج طفلته القاصر بعمر 9 سنوات خارج أسوار المحكمة، استناداً إلى شرط البلوغ الشرعي الفسيولوجي في الفقه التقليدي، ثم يذهب بهذا العقد الخارجي، مرغماً القاضي العراقي على تسجيله وتصديقه كأمر واقع وبقوة القانون، دون أن يملك القضاء سلطة معاقبة المتسببين أو حماية الطفلة.

وأضاف فلاح أن ذلك يعني شرعنة زواج الطفولة بعمر 9 سنوات من الباب الخلفي للتشريع، وتجريد مؤسسات الدولة من دورها الحمائي والرقابي، وضياع مستقبل البنات الصغيرات في العراق.

مدونة سياسية تجاهلت حيوية المذهب الجعفري

وفي ختام تصريحه، قال فلاح إن غياب الأدلة القطعية النقلية والعقلية، وتجاهل طبيعة المذهب الجعفري الحي القائم على تعدد الاجتهادات والمراجع، يثبت أن مدونة الأحكام الجعفرية بصيغتها الحالية لم تُكتب لخدمة الشريعة أو العدالة، بل صيغت في قوالب سياسية جافة سحبت الولاية من القضاء الرسمي وعطّلت مبادئ الدستور والمواطنة والأمان الأسري.

وأكد أن التحرك القضائي والطعن بعدم دستوريتها أمام المحكمة الاتحادية العليا بات واجباً وطنياً وشرعياً، لإنقاذ المجتمع والدولة معاً من فوضى التنازع التشريعي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى