
على رفوف المحال القريبة من المدارس والمنازل، تُباع مشروبات الطاقة للأطفال كما لو كانت مشروبات غازية عادية، فيما قد تخفي عبواتها الملونة مخاطر لا يدركها صغار السن. وأثارت وفاة فتى في ديالى، بعد تناوله ست علب بحسب رواية نقلتها وسائل إعلام محلية، النقاش بشأن سهولة الوصول إلى هذه المنتجات، ومسؤولية الجهات الرقابية والأسر، وتأثير الحملات التجارية التي تربط شراءها بالهدايا والجوائز.

ست علب ووفاة في ديالى
في 27 أيلول الجاري، تداول ناشطون من ديالى خبرا مفاده بأن الفتى ذو الفقار وليد، البالغ 13 عاما، تدهورت حالته الصحية بعد تناوله ست علب من مشروب للطاقة في ناحية العبّارة بمحافظة ديالى، ونُقل إلى مستشفى بعقوبة التعليمي، لكنه فارق الحياة لاحقا. وقال مصدر أمني أن جثمانه أُحيل إلى الطب العدلي لاتخاذ الإجراءات اللازمة.

وتقول الناشطة والصحفية من ديالى، إستبرق الزبيدي، لـ”طريق24″، إن الطفل كان مصابا بالسكري، وإن مستوى السكر في دمه ارتفع إلى 800، قبل تعرضه لمضاعفات متتالية انتهت بوفاته.
وترى الزبيدي أن وجود مرض لدى الطفل قد يزيد مخاطر استهلاك هذه المشروبات، خصوصا عندما تُشترى بكميات كبيرة من دون إدراك لمحتواها أو آثارها المحتملة.
حقوق الإنسان: صحة الأطفال ليست مجالا للربح
الحادثة دفعت مدير مكتب المفوضية العليا لحقوق الإنسان في ديالى، صلاح مهدي صالح، إلى المطالبة بالتعامل الجدي مع انتشار مشروبات الطاقة بين الأطفال والمراهقين، وتشديد الرقابة على بيعها لهم.
ويقول صالح لـ”طريق24″ إن غياب المتابعة الأسرية وتساهل بعض أصحاب المحال في بيع هذه المنتجات للأطفال يستدعيان التحرك، مؤكدا أن “صحة أطفالنا ليست مجالا للربح التجاري أو الإهمال الأسري”.
ويطالب بتكثيف الحملات الرقابية والتوعوية، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين للضوابط، بالتوازي مع متابعة الأسر لما يشتريه أبناؤها وتوعيتهم بمخاطر الإفراط في الاستهلاك.
قرب المدارس.. شراء بلا إدراك للمخاطر
ومن خلال متابعتها الصحفية، تلاحظ الزبيدي أن مشروبات الطاقة متاحة للأطفال بسهولة في المحال القريبة من المدارس والمنازل، من دون قيود عمرية واضحة أو تحذيرات صحية بارزة، وأنهم يشترونها باعتبارها مشروبات اعتيادية.
وتحذر من محتوى الكافيين والسكر في كثير من هذه المنتجات، وما قد يرتبط باستهلاكها من تسارع ضربات القلب والقلق واضطرابات النوم وارتفاع ضغط الدم.

وتتفق هذه المخاوف مع تحذيرات المراكز الأميركية لمكافحة الأمراض والوقاية منها، التي تشير إلى أن مشروبات الطاقة تحتوي عادة على الكافيين والسكريات المضافة ومكونات منبهة، وقد ترتبط بمضاعفات قلبية وقلق وأرق وجفاف. وتنقل المراكز توصية الأكاديمية الأميركية لطب الأطفال بعدم تناول المراهقين مشروبات الطاقة. ولا تتساوى العبوات في محتواها؛ لذلك لا يكفي عدد العلب وحده لتقدير جرعة الكافيين المستهلكة، بل يجب معرفة حجم العبوة وتركيبتها، إلى جانب سرعة تناولها والحالة الصحية للمستهلك.
الهدايا والمسابقات.. حافز للاستهلاك المفرط
وتلفت الزبيدي إلى جانب آخر من المشكلة يتمثل في الحملات التسويقية التي تستخدم المسابقات والهدايا لإغراء المشترين، وترى أنها قد تشجع الأطفال وغيرهم على شراء كميات إضافية واستهلاكها أملا في الفوز.
وتطالب بوضع ضوابط لبيع هذه المنتجات وتسويقها للأطفال، وفحص محتواها، وإلزام الشركات بإظهار تحذيرات عربية واضحة يسهل قراءتها وفهمها.

أما ما جرى تداوله بشأن ارتباط وفاة فتى ديالى بتحدٍّ أو مسابقة للفوز بجائزة، فلم يتأكد رسميا في المصادر المتاحة؛ وقد أشارت تغطية محلية إلى أن هذه الرواية لم تثبت لدى الجهات المعنية.
وتشدد الزبيدي على أن المسؤولية مشتركة، لكنها تبدأ من الجهات الصحية والرقابية، وتقول: “نحن بحاجة إلى حملة توعية ورقابة فعلية، لا إلى انتظار تسجيل حالات صحية خطرة حتى نتحرك”.
مؤشرات سلوكية تستدعي الانتباه
من جانبها، تستعرض الطبيبة نور أحمد لـ”طريق24″ نتائج دراسات، معظمها مقطعية، تربط بين ارتفاع إدراك مخاطر مشروبات الطاقة وانخفاض استهلاكها، وبين تناولها وسمات مثل البحث عن الإثارة وسرعة الانفعال.
وتشير إلى أن الاستهلاك قد يكون أكثر شيوعا لدى الطلبة الذين يعانون من تدني الأداء الدراسي أو ضعف الرقابة الأبوية أو التأثير السلبي للأقران، وأن بعض الدراسات رصدت ارتباطات مع التفكير في الانتحار أو محاولاته.
لكن هذه النتائج تصف ارتباطات إحصائية، ولا تثبت أن مشروبات الطاقة تسبب تلك السلوكيات. فالدراسات المقطعية ترصد الظواهر في وقت محدد، ولا تحسم أيها سبق الآخر أو مدى تأثير عوامل اجتماعية ونفسية مشتركة.
وتنسجم هذه الحدود مع مراجعة علمية نُشرت عام 2024 وشملت 57 دراسة، رصدت ارتباطات بين استهلاك الأطفال والشباب لهذه المشروبات وقلة النوم وتراجع جودته وضعف الأداء الدراسي وسلوكيات أخرى محفوفة بالمخاطر، ودعت إلى دراسات إضافية لتحديد العلاقات السببية.
وترى أحمد أن الاستهلاك المتكرر قد يكون مدخلا مفيدا لأطباء الأطفال للسؤال عن نمط حياة المراهق ونومه وبيئته الاجتماعية، وإتاحة التدخل المبكر عند الحاجة، من دون اعتباره تشخيصا لمشكلة نفسية أو دليلا على تعاطي مواد أخرى.

حوادث سابقة.. وحاجة الى رقابة المبيعات
لم تكن حادثة ديالى أول وفاة يُثار بشأنها ارتباط بمشروبات الطاقة. ففي أيار 2023، تناولت تقارير وفاة طالبة تبلغ 13 عاماً في كركوك، بعد روايات عن شربها ثلاث عبوات. ونُقل عن مدير صحة المحافظة آنذاك أن عينات أُرسلت للفحص للتحقق من السبب. كما ان حالات اخرى تطفو على السطح بين فترة وأخرى، وهي ذات تفاصيل متشابهة نوعا ما.
وتتقاطع مطالب المتحدثين عند ضرورة متابعة الأسواق ومحتوى المنتجات وأساليب تسويقها، وتوضيح الفئات التي ينبغي أن تتجنبها، مع إشراك المدارس والأسر في التوعية.



