
مع اقتراب الموعد الذي حدده رئيس الوزراء علي الزيدي في 30 أيلول لإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة، تتصاعد الضغوط على الحكومة لإنجاز أحد أكثر الملفات الأمنية تعقيدا وحساسية. فلم يعد التحدي مقتصرا على استكمال الإجراءات الحكومية، بل ازدادت حدته مع توالي التطورات الأمنية، التي بلغت ذروتها في أحدث المستجدات، بعدما وجّه رئيس الوزراء بفتح تحقيق بشأن ما أعلنته المملكة العربية السعودية عن انطلاق طائرات مسيّرة من الأراضي العراقية باتجاهها اليوم 27 تموز 2026.
وتأتي هذه التطورات فيما يضيق هامش الوقت أمام الحكومة للوفاء بتعهدها، في وقت لا تزال فيه الكابينة الوزارية غير مكتملة، وعلى رأسها وزارتا الدفاع والداخلية، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن قدرة حكومة الزيدي على المضي في تنفيذ خطة حصر السلاح بيد الدولة، بينما تفتقد المؤسستان الأمنيتان إلى وزيرين أصيلين يقودان هرمهما الإداري والتنفيذي.
أيلول.. موعد لاختبار قدرة الدولة
لا يمثل الثلاثون من أيلول موعدا زمنيا فحسب، بل اختبارا لقدرة الحكومة على تنفيذ أحد أكثر تعهداتها الأمنية حساسية، في ظل تشابك الاعتبارات السياسية والقانونية والأمنية، وارتباط الملف بأطراف تمتلك نفوذا عسكريا وسياسيا.
وينظر إلى هذا الاستحقاق بوصفه معيارا لمدى قدرة الحكومة على ترجمة تعهداتها إلى خطوات تنفيذية، في وقت تتزايد فيه الضغوط الداخلية والخارجية لحصر السلاح بيد الدولة، وتعزيز احتكار المؤسسات الرسمية لاستخدام القوة.
وزادت التطورات الأمنية الأخيرة من حساسية هذا الملف، بعدما أعلنت وزارة الدفاع السعودية تعرض المملكة لهجوم بطائرات مسيّرة انطلقت – وفق معلومات الجانب السعودي – من الأراضي العراقية، وهو ما دفع بغداد إلى التحرك سريعا.
تطورات أمنية ترفع سقف التحدي
وفي أول رد رسمي، وجّه القائد العام للقوات المسلحة، علي الزيدي، الجهات الأمنية المختصة بالتحقيق في ما ورد في البيان السعودي، مؤكدا التزام العراق الدستوري بمبادئ حسن الجوار، وعدم السماح باستخدام أراضيه ممرا أو منطلقا لأي اعتداء يستهدف الدول الشقيقة أو الصديقة.
وأكدت الحكومة أنها تتحرى الأدلة والمعلومات، وستتخذ الإجراءات القانونية بحق من يثبت تورطه وفق نتائج التحقيقات، مشددة على أن العلاقات مع المملكة العربية السعودية “علاقات أخوية راسخة وعميقة” تقوم على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وأنها لن تسمح بأي محاولة للمساس بهذه العلاقة أو الإضرار بها، مع استمرار العمل على حماية أمن العراق وتعزيز سيادته والمحافظة على أمن واستقرار محيطه العربي والإقليمي.
وبغض النظر عن نتائج التحقيق، فإن مجرد الإعلان عن انطلاق هجمات من الأراضي العراقية يعيد ملف السلاح خارج إطار الدولة إلى السجال وصدارة المشهد، باعتبار أن أي استخدام للأراضي العراقية في استهداف دول الجوار يمثل تحديا مباشرا لجهود الحكومة في فرض سيادتها الكاملة، وهذا حصل بالفعل ضد أهداف داخلية وخارجية كثيرة في الآونة الاخيرة.
حكومة غير مكتملة أمام استحقاق أمني
ورغم اقتراب الموعد الذي أعلنته الحكومة، ما تزال الكابينة الوزارية غير مكتملة، وفي مقدمتها وزارتا الدفاع والداخلية، المسؤولتان عن إدارة جزء كبير من المنظومة الأمنية والعسكرية.
ورغم أن الدستور يمنح رئيس الوزراء، بصفته القائد العام للقوات المسلحة، صلاحيات واسعة لإدارة الملف الأمني، فإن تنفيذ خطة بهذا الحجم يتطلب منظومة مؤسساتية متكاملة، تقوم على التنسيق المستمر بين القيادات الأمنية والعسكرية، وسرعة اتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية التنفيذية والسياسية عن النتائج.
ويثير استمرار شغور الوزارتين تساؤلات بشأن مدى تأثير غياب وزيرين أصيلين على إدارة مرحلة تعد من أكثر المراحل حساسية في الملف الأمني.
مكتب القائد العام.. إعادة تنظيم للقيادة الأمنية
وفي تطور يتقاطع مع الجدل بشأن شغور وزارتي الدفاع والداخلية، اطلعت “طريق24” على وثيقة تتضمن افتتاح “مكتب القائد العام للقوات المسلحة” في المنطقة الخضراء، مع دمج مكتب قيادة العمليات المشتركة، ومكتب السكرتير الشخصي للقائد العام، ومركز العمليات الوطني ضمن تشكيل واحد.
ووفقا لما ورد في الوثيقة، يتولى المكتب ممارسة مهام التشكيلات المدمجة، إضافة إلى الإشراف على وزارتي الدفاع والداخلية، وجهاز مكافحة الإرهاب، وجهازي المخابرات والأمن الوطني، وهيئة الحشد الشعبي، وهيئة المنافذ الحدودية، وهيئة التصنيع الحربي، على أن ترتبط به جميع القيادات والتشكيلات المشمولة.
ويعني ذلك عمليا تركيز إدارة عدد كبير من المؤسسات الأمنية ضمن هيكل واحد يرتبط مباشرة بالقائد العام للقوات المسلحة، في خطوة قد تفهم على أنها تعزز مركزية القرار الأمني، فيما يبقى نجاحها مرتبطا بقدرتها على الانعكاس ميدانيا خلال المهلة التي حددتها الحكومة لحسم ملف السلاح. ومقابل هذه الخطوة، هنالك ايضا شكوك ومخاوف من حصر رئيس الوزراء كل هذه الصلاحيات بيده ودمجها في مكتبه.
بين صلاحيات القائد العام وغياب الوزيرين
ويرى الخبير الأمني سرمد البياتي أن استمرار شغور وزارتي الدفاع والداخلية قد ينعكس على بعض القرارات التي تدخل ضمن صلاحيات الوزراء الأصليين، لكنه يؤكد أن وجود رئيس الوزراء بصفته القائد العام للقوات المسلحة يمنح الحكومة القدرة على إصدار الأوامر وتنفيذها.
ويقول البياتي لـ”طريق24″: “في ظل هذه الظروف، نعم، لها تأثيرات على بعض القرارات المهمة التي هي من صلاحيات الوزراء الأصلاء فقط، ولكن القائد العام هو من تولى الوكالة في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية.”
ويضيف البياتي: “بعض القرارات بحاجة إلى وجود الوزراء، فلا تكفي صلاحيات الوكلاء، ولكن وجود القائد العام يمكن أن تُصدر من خلاله الأوامر وتُنفذ، بل بصورة أقوى. لكن إذا استمرت الحالة على هذا الوضع حتى الثلاثين من أيلول، فقد تكون هنالك بعض الإشكاليات في هذا الموضوع.”
ويشير هذا الطرح إلى أن الإشكالية لا تتعلق بغياب سلطة اتخاذ القرار، بقدر ما ترتبط بإدارة التفاصيل التنفيذية لعملية معقدة تتطلب غطاءً مؤسسيا وإداريا متكاملا.
هل يرتبط حصر السلاح باكتمال الكابينة؟
في المقابل، يرى المحلل السياسي عباس الجبوري أن الربط بين عدم استكمال الكابينة الوزارية وملف حصر السلاح ليس دقيقا، معتبرا أن القرار في هذا الملف يعود إلى الحكومة وليس إلى الوزراء.
ويوضح الجبوري خلال حديثه مع “طريق24”: “بالنسبة لتأخير حسم وزارتي الدفاع والداخلية، فالسبب هو الخلافات الموجودة بين الكتل السياسية. وبخصوص الربط بين استمرار عدم تسمية الوزيرين وملف حصر السلاح بيد الدولة، فهذا لا علاقة له بذاك لأن موضوع حصر السلاح هو قرار حكومة وليس قرار وزير.”
ورجح الجبوري أن تُحسم الوزارات الأمنية بعد انتهاء زيارة الأربعين، في ظل ما وصفه بتوافقات سياسية داخل الإطار التنسيقي، إضافة إلى تفاهمات مع القوى السنية والكردية لاستكمال الكابينة الوزارية، معتبرا أن استمرار شغور الوزارات الأمنية قد ينعكس على الأداء التنفيذي للحكومة.
اختبار سياسي يتجاوز الملف الأمني
وترى قراءات سياسية أن التطورات الأمنية الأخيرة، سواء الهجمات التي استهدفت أربيل في فترات سابقة أو الهجمات التي طالت الأردن ومنشآت الطاقة في المملكة العربية السعودية، تضع حكومة علي الزيدي أمام اختبار عملي لتعهدها بإنهاء ملف السلاح خارج إطار الدولة قبل نهاية أيلول.
وبحسب هذا الطرح، فإن تزامن هذه الهجمات مع تحركات رئيس الوزراء الخارجية، ولا سيما خلال زيارته إلى واشنطن وسعيه لجذب الشركات العالمية والاستثمار في العراق، يجعل نجاح الحكومة في ضبط هذا الملف عاملا مؤثرا في ترسيخ صورة العراق بوصفه دولة مستقرة وقادرة على فرض سيادتها.
وبينما تتسارع التطورات الأمنية ويقترب موعد الثلاثين من أيلول، تبدو الحكومة اليوم أمام مرحلة تتجاوز إطلاق التعهدات إلى اختبار قدرتها على تنفيذها. فنجاحها في حصر السلاح بيد الدولة قد يشكل نقطة تحول في تعزيز سلطة المؤسسات، فيما سيبقي أي تعثر هذا الملف في صدارة التحديات الأمنية والسياسية. وعند ذلك فقط، ستتضح الإجابة عن السؤال الذي يفرض نفسه منذ إعلان المهلة: هل تنجح الحكومة في اجتياز اختبار السلاح؟



