
في حزيران من عام 2014، كانت الموصل تسقط بيد تنظيم داعش المجرم، والدولة تدخل أخطر اختبار أمني في تاريخها الحديث. وبعد أكثر من عقد على تلك الأحداث، تكشف مسودة الحساب الختامي لموازنة ذلك العام، والتي انجز البرلمان الحالي قراءتها الأولى، أن المعركة آنذاك لم تكن على الجبهات العسكرية وحدها، بل امتدت إلى إدارة المال العام. توثق الأرقام الرسمية تجاوزات مالية، وسلفا بمبالغ تريليونية، وتسويات محاسبية ضخمة، وتحفظات رقابية تفتح الباب أمام تساؤلات بشأن كفاءة إدارة موارد الدولة في عام مفصلي كان نقطة فاصلة في حياة الملايين أمام عدوان التنظيمات الإرهابية.
الفوضى المالية سبقت الانهيار الأمني
لم يكن عام 2014 عاما اعتياديا في تاريخ العراق، بل مثّل نقطة تحول غير مسبوقة على المستويات السياسية والأمنية والاقتصادية. ففي العاشر من حزيران سقطت مدينة الموصل، ثاني أكبر مدن البلاد، بيد تنظيم داعش الإرهابي، لتنهار خلال أيام قطعات عسكرية وأمنية كانت الدولة قد أنفقت عليها مليارات الدنانير على مدى سنوات.
ومع اتساع رقعة سيطرة الإرهابيين، دخل العراق حربا شاملة استنزفت موارده المالية، وأجبرت الحكومة على إعادة ترتيب أولوياتها بصورة طارئة، فيما شهدت البلاد موجات نزوح بالملايين، وتوقفت المشاريع، وتراجعت الإيرادات النفطية لاحقا مع الانخفاض الحاد في أسعار الخام خلال النصف الثاني من العام.
غير أن مسودة قانون المصادقة على الحساب الختامي للسنة المالية 2014 والتي انجز البرلمان الحالي قرائتها الاولى يوم السبت الماضي، تكشف أن الأزمة لم تكن أمنية فقط، بل رافقتها اختلالات عميقة في إدارة المال العام.
فالوثيقة تشير إلى أن الإيرادات الفعلية بلغت 97.619 تريليون دينار، مقابل نفقات فعلية بلغت 77.691 تريليون دينار، لكن في فقرة “مؤشرات الإنفاق” يقفز الرقم إلى 125.321 تريليون دينار، عن اجمالي التخصيصات المرصدة لها والبالغ 108.643 مليار دينار، وبنسبة تجاوز وصلت إلى 15.4 بالمئة (نتيجة اطفاء واجراء تسويات قيدية لأرصدة بعض السلف تعود للسنوات سابقة من ۲۰۰۸ ولغاية ٢٠١٤ بمبلغ مقداره 47.630 مليار دينار). فيما سجّلت الموازنة لاحقا عجزا فعليا بلغ 27.703 تريليون دينار.
لكن الأرقام، على أهميتها، ليست أكثر ما يلفت الانتباه. فبين سطور الحساب الختامي تظهر مؤشرات على اضطراب في الإدارة المالية، بدءا من التجاوز على التخصيصات، مرورا بتضخم حسابات السلف، وانتهاءً بتسويات محاسبية بمبالغ استثنائية، وهي ملفات ستصبح لاحقا محورا لملاحظات ديوان الرقابة المالية وإجراءات ألزم بها مشروع القانون وزارة المالية والجهات الرقابية.
وفي الوقت الذي كانت فيه القوات الأمنية تخوض معارك استعادة المدن، كانت مؤسسات الدولة مطالبة أيضا بإدارة واحدة من أكبر الموازنات في تاريخ العراق، إلا أن الوثيقة تعكس صورة مختلفة، إذ تشير إلى خلل في الرقابة، وتأخر في معالجة الحسابات، وتراكم ملفات مالية بقيت معلقة لسنوات، بما يعكس فعليا طريقة تفكير الدولة آنذاك بشأن قدرتها على إدارة الحرب والمال العام في آن واحد، ومن هو المسؤول عن ذلك؟
تسويات بمبلغ 47 تريليون دينار لصالح من؟
أخطر ما تكشفه مسودة الحساب الختامي لا يتعلق بحجم الإيرادات أو العجز، وإنما بما تصفه الوثيقة بـ”إطفاء وإجراء تسويات قيدية” لبعض السلف التي تعود إلى السنوات الممتدة بين 2008 و2014، بقيمة بلغت 47.630 تريليون دينار.
وتوضح المسودة أن هذه التسويات كانت السبب الرئيس في ارتفاع إجمالي النفقات العامة إلى 125.321 تريليون دينار، متجاوزةً التخصيصات المرصودة البالغة 108.643 تريليون دينار بنسبة وصلت إلى 15.4 مثلما تمت الإشارة إلى ذلك أعلاه.
هذه الأرقام تعني أن جزءا ضخما من الإنفاق الذي ظهر في حسابات عام 2014 لم يكن مرتبطا بنفقات السنة نفسها، وإنما بتسويات تخص سنوات سابقة. والمشكلة أن الوثيقة لا تقدم تفصيلا لطبيعة كل تلك السلف أو أسباب تأخر تسويتها ومن الجهات المسؤولة عنها، لكنها تثبت أن معالجات محاسبية بهذا الحجم أُدرجت ضمن الحسابات الختامية، وهو ما يجعلها من أبرز الملفات التي تستحق التدقيق والتحقيق المالي.
وتزداد أهمية هذه المؤشرات عند قراءتها في سياق عام 2014، ففي الوقت الذي كانت فيه الدولة تطلب موارد إضافية لتمويل العمليات العسكرية، وتأمين احتياجات ملايين النازحين، واستعادة السيطرة على المحافظات التي اجتاحها الإرهاب، تكشق الحسابات في المقابل عن تسويات مالية بعشرات التريليونات، وتجاوزات على سقوف الإنفاق في أكثر السنوات حساسية وخطورة مصيرية.
ولا تتوقف علامات الاستفهام عند حجم التسويات وحده، بل تمتد إلى ما تعكسه من ضعف في الانضباط المالي. فإطفاء سلف متراكمة بهذا الحجم بعد سنوات من صرفها يوحي بوجود خلل مزمن في المتابعة والتوثيق والرقابة، وهو ما يفتح المجال أمام شبهات تتعلق بطريقة إدارة الأموال العامة خلال تلك المرحلة، خصوصا أن مشروع القانون نفسه عاد ليُلزم وزارة المالية بمعالجة التحفظات الواردة في تقرير ديوان الرقابة المالية، مع النص على إحالة الملف إلى الجهات التحقيقية والقضائية المختصة إذا لم تُنفذ تلك المعالجات خلال المدة المحددة.
سلف بقيمة 99 تريليون دينار
وإذا كانت التسويات القيدية قد أثارت علامات استفهام واسعة، فإن ملف السلف النقدية يبدو أكثر حساسية في مسودة الحساب الختامي.
فالوثيقة تكشف أن إجمالي رصيد السلف للموازنتين الجارية والاستثمارية بلغ حتى 31 كانون الأول 2014 نحو 99.181 تريليون دينار، وهو رقم ضخم يشكل 80 بالمئة من هيكل الموجودات المالية للدولة، بما يعني أن الجزء الأكبر من الأصول المالية المسجلة كان عبارة عن سلف لم تُحسم أو تتم تسويتها بعد بصورة نهائية.
ولا يقف الأمر عند حجم السلف، إذ تشير المسودة صراحة إلى منح 18.920 تريليون دينار خلال عام 2014 “دون وجود تخصيصات مالية مرصدة لها”، موضحة أن تلك السلف مُنحت استنادا إلى قرارات صادرة عن مجلس الوزراء ووزارة المالية، مع تسجيل أخطاء محاسبية في التبويب. وهذه العبارات ليست استنتاجا صحفيا، وإنما توصيف ورد في نص الوثيقة نفسها، ويعكس حجم الإشكالات التي رافقت إدارة الإنفاق خلال ذلك العام.
ومن الناحية المالية، فإن صرف مبالغ بهذا الحجم خارج التخصيصات المقررة يثير تساؤلات جوهرية حول آليات الرقابة والالتزام بقانون الموازنة. فالأصل أن تُدار النفقات العامة ضمن السقوف التي يقرها مجلس النواب، بينما تشير المسودة إلى وجود إنفاق استند إلى قرارات تنفيذية، في وقت كانت فيه الدولة تواجه أكبر تحدياتها الأمنية والاقتصادية.
تحفظات تمتد إلى صندوق التنمية وصفقات التسليح
لا تنتهي مؤشرات الخلل عند السلف والتجاوزات، بل تمتد إلى ملفات مالية تعد من أكثر ملفات الدولة حساسية. فالمادة الثالثة من مشروع القانون تلزم وزارة المالية بمعالجة جميع الملاحظات والتحفظات الواردة في تقرير ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وتشمل ملفات ذات أهمية سيادية، من بينها صندوق تنمية العراق (DFI)، وحساب المبيعات العسكرية الأجنبية (FMS)، إضافة إلى تحويل تخصيصات من الموازنة الاستثمارية إلى الموازنة الجارية، ووجود فروقات مالية بين دائرة المحاسبة ودائرة الموازنة، وتجاوز بعض وحدات الانفاق على التخصيصات المالية المرصدة لها، فضلاً عن ملفات السلف والمديونية والاستثمارات الخارجية والاقتراض الداخلي والخارجي.
وتكتسب هذه التحفظات أهمية استثنائية لأن بعضها يرتبط بإدارة الأموال المخصصة للتنمية، وبعضها الآخر يتعلق بملفات التسليح العسكري التي كانت تحتل أولوية قصوى بعد انهيار الوضع الأمني وسقوط نينوى ومحافظات أخرى بعدها. وفي ظل الحرب المفتوحة ضد الإرهاب، تصبح سلامة إدارة هذه الحسابات مسألة تتجاوز البعد المحاسبي لتلامس الأمن الوطني وإدارة موارد الدولة في ظرف استثنائي.
كما تكشف الوثيقة أن تمويلات إقليم كردستان لعام 2014 بلغت 2.281 تريليون دينار، لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن هذه البيانات اعتمدت على موازين مراجعة أرسلتها حكومة الإقليم، ولم تخضع لتدقيق ديوان الرقابة المالية الاتحادي، وهو ما يمثل ثغرة رقابية مهمة في ملف يتصل بإنفاق مليارات الدنانير.
وفي جانب آخر، تظهر المسودة اختلالا في ترتيب الأولويات المالية؛ فبينما ارتفعت حصة الرواتب إلى 38 بالمئة من إجمالي الإنفاق الفعلي، لم تتجاوز نسبة تمويل مشاريع البترودولار 8 بالمئة من التخصيصات المصادق عليها، ما يعكس تراجع الإنفاق التنموي في مقابل تضخم النفقات التشغيلية.
كما تكشف الأرقام استمرار اعتماد الاقتصاد العراقي بصورة كاملة على النفط، إذ شكلت الإيرادات النفطية نسبة 99 بالمئة من إجمالي الإيرادات، مقابل 1 بالمئة فقط للإيرادات غير النفطية، في مؤشر واضح على هشاشة البنية الاقتصادية في سنة كانت البلاد بأمس الحاجة فيها إلى تنويع مواردها لمواجهة كلفة الحرب والأزمة الإنسانية.
بعد أكثر من عقد… ماذا تقول حسابات عام سقوط الموصل؟
وبعد 12 عام، لا تعيد مسودة الحساب الختامي لسنة 2014فتح ملف مالي مؤجل فحسب، بل تعيد طرح أسئلة جوهرية بشأن كيفية إدارة الدولة في تلك المرحلة الحساسة.
لقد خاض العراق حربا كلفته آلاف الضحايا ومئات مليارات الدنانير، بينما تكشف الحسابات الرسمية عن صورة موازية تتحدث بلغة الأرقام: تجاوزات على التخصيصات، وسلف بمبالغ تريليونية صُرفت دون غطاء مالي، وتسويات محاسبية ضخمة، وتحفظات رقابية امتدت إلى ملفات سيادية، وتأخر استمر سنوات في إغلاق الحسابات النهائية.
ولا تزعم هذه الوثيقة وحدها أن تلك الاختلالات كانت السبب المباشر في الانهيار الأمني، لكنها تقدم أدلة واضحة على أن الإدارة المالية للدولة كانت تواجه اضطرابا عميقا في الوقت نفسه الذي كانت فيه المؤسسات الأمنية تخوض معركة وجودية ضد الإرهاب.
كما أن ما يلفت الانتباه ليس حجم الأموال وحده، بل الرسالة التي تحملها مواد مشروع القانون نفسه. فالنص ألزم وزارة المالية بمعالجة جميع التحفظات الواردة في تقرير ديوان الرقابة المالية، وحدد مهلة زمنية لذلك، وربط عدم المعالجة بإحالة الملف إلى الجهات التحقيقية والقضائية المختصة، في إقرار بأن ما ورد في الحساب الختامي يتجاوز كونه ملاحظات محاسبية روتينية إلى قضايا تستوجب المساءلة القانونية والرقابية.



