
أعادت قضية الطبيبة المعروفة باسم “فيروز” التذكير بملف العنف الأسري، بعدما تحول الاعتداء الوحشي الذي تعرضت إلى قضية رأي عام، وصدمة نتيجة العنف المفرط الذي تتعرض له بعض النسوة. وأثارت الجريمة موجة واسعة من الغضب والتفاعل على مواقع التواصل الاجتماعي، في وقت تجددت فيه المطالبات بتشديد الحماية القانونية للنساء، ومواجهة سلوك مجتمعي يبرر العنف أو يحمّل الضحية مسؤولية ما تتعرض له من انتهاكات، مثلما حصل مع “فيروز”.
حادثة صادمة و تبرير للجريمة
وبحسب شهادات متداولة من مقربين، تعرضت الطبيبة لاعتداء عنيف على يد زوجها السابق، بعد اقتحامه منزلها، ما أسفر عن إصابتها بجروح بالغة، بينها فقدان إحدى عينيها، فيما ترقد حاليا في المستشفى وهي بحالة حرجة جدا.
ورغم موجة التضامن الواسعة، شهدت منصات التواصل الاجتماعي تعليقات حمّلت الضحية مسؤولية ما تعرضت له، أو حاولت تبرير الاعتداء بالاستناد إلى حياتها الشخصية أو طبيعة عملها، في مشهد أثار انتقادات واسعة من ناشطين وحقوقيين ومدونين.
وترى الناشطة المدنية تبارك مجيد أن هذا النوع من الخطاب يعكس استمرار ثقافة تبرير العنف، ويحول الضحية إلى متهمة بدلا من التركيز على محاسبة الجاني.
وقالت مجيد، في حديثها لـ”طريق 24″، إن العدالة لا ينبغي أن ترتبط بمدى قبول المجتمع لشخصية الضحية أو أسلوب حياتها، مؤكدة أن “العنف جريمة جنائية وليست محاكمة أخلاقية”. وأضافت أن استمرار هذا الخطاب يكشف عن قصور في منظومة الحماية القانونية، ويترك النساء عرضة للعنف والابتزاز في ظل غياب إجراءات رادعة.
آثار تتجاوز الضحية
ولا تنتهي تداعيات هذه الجرائم عند حدود الاعتداء الجسدي، إذ يحذر مختصون من أن طريقة تداولها إعلاميا وعلى منصات التواصل قد تترك آثارا نفسية تمتد إلى المجتمع بأكمله.
ويقول الطبيب النفسي جعفر البرقعاوي، لـ”طريق 24″، إن إعادة نشر صور الضحايا ومشاهد الاعتداء بشكل متكرر تسهم في تطبيع مشاهد العنف، وتؤدي تدريجيا إلى تراجع حساسية المجتمع تجاهها.
ويرى البرقعاوي أن تداول الصور الصادمة يفاقم معاناة الضحية وأسرتها، وقد يتسبب بآثار نفسية ثانوية لدى المتابعين، ولا سيما الأطفال والنساء والناجين من تجارب مشابهة، فضلا عن أنه قد يمنح بعض أصحاب السلوك العدواني انطباعا بأن مثل هذه الأفعال أصبحت جزءا من المشهد اليومي، مؤكدا أن المعالجة الإعلامية المهنية تقتضي نقل الوقائع دون نشر صور تنتهك خصوصية الضحية أو تحول مأساتها إلى مادة للتداول والانتشار.
حماية تبدأ قبل وقوع الجريمة
وبالعودة إلى الناشطة مجيد، فهي ترى أن الحد من جرائم العنف ضد النساء لا يتحقق بملاحقة الجناة بعد وقوع الاعتداء فحسب، بل يتطلب منظومة متكاملة تبدأ بتشريعات رادعة، وآليات حماية فعالة، إلى جانب نشر ثقافة مجتمعية ترفض تبرير العنف أو تحميل الضحية مسؤوليته، بما يعزز حق النساء في الأمان والعدالة.



