
لم يكن طريق الطالبة العراقية أروى حسان الحديثي نحو دراسة طب الأسنان مفروشاً بالفرص، بل بالرفض والتأجيل والاختبارات القاسية. غير أن ما بدا نهايةً لحلمها بعد الثانوية، تحوّل مع السنوات إلى قصة إصرار انتهت بتخرجها من كلية طب الأسنان في King’s College London، إحدى أبرز المؤسسات الأكاديمية العالمية في هذا التخصص.
بعد إنهائها المرحلة الثانوية البريطانية (A-Level) بتفوق، اصطدمت أروى بنظام القبول في الجامعات البريطانية، الذي يمنح الأولوية للمواطنين البريطانيين ثم للمقيمين، ما حال دون حصولها على مقعد في طب الأسنان رغم نتائجها المتميزة.
وأمام هذا الواقع، التحقت بكلية العلوم الطبية الحيوية (Biomedical Sciences) في Queen Mary University of London، على أمل أن يكون ذلك جسراً نحو حلمها الحقيقي.
خلال سنوات الدراسة، حصلت أروى على وعد من إدارة الجامعة بإتاحة فرصة انتقالها إلى كلية طب الأسنان إذا حافظت على معدل لا يقل عن 80 بالمئة. وبالفعل، أنهت دراستها بتفوق مع مرتبة الشرف، ونالت تكريماً لتميزها الأكاديمي، لكن الوعد لم يتحقق، لتجد نفسها مجدداً أمام خيار البدء من الصفر.
لم تسمح لخيبة الأمل بأن تكون نهاية الطريق، فتقدمت مرة أخرى إلى عدد من الجامعات، بينها The University of Manchester وKing’s College London، رغم إدراكها أن فرص القبول محدودة، لأن الجامعات تفضل المتقدمين مباشرة بعد المرحلة الثانوية.
ورغم حصولها على درجة مرتفعة في اختبار UCAT، وهو أحد أهم اختبارات القبول في كليات الطب وطب الأسنان البريطانية، بقيت فرصتها معلقة بالحصول على دعوة لإجراء المقابلة الشخصية.
وفي مطلع عام 2021، وبينما كانت تقضي مع أسرتها إجازة في بغداد بعد سنوات من الغياب، وصلها بريد إلكتروني غيّر مجرى حياتها؛ دعوة لإجراء مقابلة إلكترونية مع King’s College London في اليوم التالي.
كان الوقت ضيقاً، والاستعداد محدوداً، فيما فرض ضعف خدمة الإنترنت في ظل ظروف جائحة كورونا تحدياً إضافياً. وفي صباح المقابلة، أوقفت الأسرة جميع الأجهزة المتصلة بالشبكة لتأمين أفضل اتصال ممكن، بينما دخلت أروى وحدها إلى غرفة مغلقة لتخوض مقابلة امتدت قرابة ثلاث ساعات أمام ثلاث لجان متعاقبة.
ولم يطل الانتظار كثيراً، ففي اليوم نفسه وصلها بريد القبول، لتنال أخيراً المقعد الذي حلمت به سنوات طويلة.
لكن الوصول إلى كلية طب الأسنان لم يكن نهاية التحديات، بل بداية رحلة جديدة امتدت خمس سنوات. كانت تدرس صباحاً، وتعمل مساءً مدرسةً لمادتي الكيمياء والأحياء، فيما تقطع يومياً أكثر من ساعتين في التنقل بين الدراسة والعمل، لتتمكن من مواصلة مشوارها الأكاديمي.
واليوم، تقف أروى حسن الحديثي خريجةً من كلية طب الأسنان في King’s College London، بعد رحلة طويلة من المحاولات والرفض والعمل المتواصل، لتقدم نموذجاً لطالبة عراقية آمنت بأن الأحلام الكبيرة لا تتحقق دائماً من المحاولة الأولى، لكنها تتحقق بالإصرار والصبر والاجتهاد.
قصة أروى ليست مجرد حكاية تخرج، بل شهادة على أن الإخفاق المؤقت قد يكون بداية الطريق نحو نجاح أكبر، وأن الأبواب التي تُغلق في البداية قد تُفتح لاحقاً لمن يواصل الطرق عليها بإيمان وعزيمة.
المصدر: صفحة والد الطالبة حسان الحديثي



