العراقسياسةمحليات

تسويات الفساد.. استرداد للأموال أم بوابة للإفلات من العدالة؟

بعد تصاعد حملة الحكومة على ملفات الفساد وما رافقها من فضائح الإطاحة بعدد من المسؤولين والنواب السابقين والحاليين والمدراء العامين، برزت في المشهد السياسي حالة قلق واضحة، وخشية من أن تتوسع التحقيقات لتطال شخصيات ومراكز نفوذ أخرى. وقد عكست بعض التصريحات هذا القلق، حين عبّرت أطراف سياسية عن امتعاضها من عدم إبلاغها مسبقا بالإجراءات التي اتخذتها الحكومة، ومن ما أسمته بـ”التشهير” ببعض المتهمين المتورطين بسرقة المال العام.

وفي خضم هذه الأجواء، طُرحت أحاديث عن إمكانية عقد تسويات مع متورطين في قضايا فساد وسرقة المال العام، تقوم على استرداد الأموال مقابل تسهيلات قانونية أو تخفيف الإجراءات بحقهم. هذه الطروحات فتحت بابا واسعا للتساؤل حول طبيعة هذه التسويات: هل هي آلية قضائية مشروعة لاستعادة المال العام؟ أم أنها تسويات سياسية ستحمي الفاسدين من العقاب؟

في هذا التقرير، تستطلع “طريق24” آراء عدد من الأكاديميين والباحثين والمحللين السياسيين حول جدوى التسويات، وحدودها القانونية، وتأثيرها المحتمل في ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة ومبدأ العدالة.

بين مخاوف الفاسدين وترقب الشارع

يرى متابعون أن أي حديث عن تسويات في ملفات الفساد يضع الدولة أمام معادلة حساسة: تحقيق مصلحة استرداد الأموال العامة من جهة، وضمان عدم تحول التسويات إلى وسيلة للإفلات من العقاب من جهة أخرى.

ويشير المحلل السياسي د. عمار البهادلي، إلى أن فكرة التسوية المطروحة حاليا، ترتبط بإجراءات قانونية وقضائية تهدف إلى استرجاع المال العام، لكنها في الوقت نفسه تثير مخاوف تتعلق بثقة الشارع في جدية مكافحة الفساد.

ويقول البهادلي: “أن فكرة التسوية السياسية التي يجري الحديث عنها، هي أشبه بحزمة مغريات قانونية وقضائية لإعطاء فرصة للمدانين لاسترجاع المال العام، وأن هذه الأدوات تستخدم حكرا من السلطة القضائية، بالموازاة مع بعض الصلاحيات والإجراءات المتزامنة من قبل السلطة التنفيذية، لكنها في حقيقة الأمر تخلق هاجسا من انعدام الثقة لدى الشارع الساخط على حجم التلاعب بالمال العام”.

لذلك يرى البهادلي إن هذه التسويات قد تُفهم على أنها تسويات قضائية مالية، لكنها بالوقت نفسه ذات جنبة سياسية، هدفها إطلاق سراح بعض الأسماء والعناوين التي تنتمي إلى واجهات وعناوين سياسية.

ويعكس هذا الرأي تخوفا من أن تتحول التسويات إلى أداة تمنح غطاءً سياسيا لبعض المتورطين، بدلا من أن تكون مسارا قانونيا يخضع للرقابة القضائية.

حق الدولة والمجتمع قبل كل شيء

ويؤكد باحثون أن عملية مكافحة الفساد يجب أن تستند أساسا إلى القانون، وأن أي تسوية لا بد أن تُقاس بمدى مساهمتها في كشف الحقائق ومحاسبة المتورطين، لا بمجرد استرداد جزء من الأموال.

ويرى الباحث الاكاديمي الدكتور علاء نجاح، أن الأصل في مكافحة الفساد هو الاحتكام إلى القانون، وأن أي حديث عن التسويات يجب أن يخضع لتقييم دقيق يستند إلى نتائجها الفعلية لا إلى عناوينها السياسية أو الإعلامية.

وبحسب وجهة نظره، “إذا كانت التسوية تفضي إلى كشف الحقائق وإخضاع المتورطين للمساءلة القضائية، فهي قد تكون أداة ضمن إطار العدالة، وليس بديلا عنها. أما إذا كانت تُستخدم لإغلاق الملفات أو حماية شخصيات متهمة أو إعفائها من المسؤولية، فإنها تقوض ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة وتضعف هيبة القانون”.

ويتابع نجاح قائلا: “اليوم ليس المطلوب مجرد تسويات، وإنما عدالة شفافة تطمئن الرأي العام بأن لا أحد فوق القانون، وأن استعادة الدولة تكون باستعادة ثقة المواطن بالقضاء، وأن المال العام حق لا يسقط بالتفاوض أو المساومات السياسية”، موضحا أن “فكرة التسويات السياسية ليست مرفوضة بالمطلق، لكن قيمتها تقاس بما تحققه للدولة لا بما تمنحه للأشخاص. فإذا كانت تؤدي إلى استرداد الأموال وكشف الحقيقة ومحاسبة المتورطين وفق القانون، فهي تخدم المصلحة العامة. أما إذا تحولت إلى وسيلة لحماية الفاسدين أو إغلاق الملفات بعيدا عن القضاء، فإنها تضعف العدالة وتكرس الإفلات من العقاب”.

ويشير إلى أن المواطن اليوم لا يبحث عن تسويات بقدر ما يبحث عن دولة قانون يشعر فيها أن الجميع متساوون أمام القضاء، وأن مكافحة الفساد ليست انتقائية ولا خاضعة للتوافقات السياسية.

ويختم حديثه بالقول: أي تسوية يجب أن تكون شفافة وخاضعة للرقابة القضائية، ومرتبطة باسترداد المال العام وتحقيق العدالة، وإلا فستُفهم على أنها تنازل عن حق الدولة والمجتمع.

التسويات في التجارب الدولية

من زاوية عملية، يرى بعض المحللين أن التسويات ليست مفهوما جديدا في مكافحة الفساد، إذ لجأت إليها دول عدة لاسترداد الأموال العامة بسرعة، خاصة عندما تكون القضايا مرتبطة بمتهمين خارج البلاد أو بأموال يصعب تتبعها عبر المسارات القضائية التقليدية.

الخبير السياسي عصام الفيلي يرى أن التسوية قد تكون جزءا من معالجة عملية لاسترداد الأموال المنهوبة، لكنه يشدد على ضرورة أن تترافق مع إجراءات تمنع عودة المتورطين إلى المناصب العامة أو الحياة السياسية.

الفيلي يعتقد أنه من الناحية العملية، يكاد يكون موضوع التسوية في العراق جزءا من تجربة مارستها عدد من الدول في السابق، وبالتالي فإن المحصلة النهائية تكون ضمان سرعة استرداد الأموال من المتهمين بقضايا الفساد. لذلك يوضح أن البعد القانوني لملاحقة المتهمين الموجودين خارج البلاد، يأخذ أحيانا وقتا طويلا.

ويشير على سبيل المثال إلى تجربة جمهورية مصر، فهي بعد نظام “حسني مبارك” عقدت تسويات مع شخصيات استحوذت على المال العام، وهذا مثال بسيط على التجارب الدولية التي يمكن للعراق النظر اليها.

لكن يبقى السؤال المهم من وجهة نظر الفيلي: هل سيُوضع الفاسدون في قائمة تمنعهم من تولي المناصب العامة؟ وهل سيتم إقصاؤهم من الحياة السياسية أم لا؟

وعن حجم الأموال التي يمكن أن تسترجعها الدولة ينبه المتحدث إلى أن دول كثيرة لجأت في قضايا الفساد إلى شركات عالمية، لكن هذه الشركات قد تحصل على نسب تصل إلى 40 بالمئة من الأموال المستردة، بينما قد تتيح التسويات التي تعقدها الدولة استعادة 80 أو 90 بالمئة من الأموال.

وعن أهم خطوة في هذه العملية يؤشر الفيلي على ضرورة أهمية مرحلة ما بعد التسويات، والتي يجب أن تشهد صرامة ومتابعة دقيقة لكل مسؤول، لمعرفة مصادر أمواله بالتعاون مع المخابرات وجهاز الأمن الوطني ووزارة العدل. فهذا بحسب وجهة نظره، جزء كبير من حل مشكلة الفساد المستشرية.

ويؤكد أن “عدم المساءلة أو استخدام الاستثناءات استُغل في السابق كفرصة للإثراء، لذلك يجب أن تكون هناك خارطة طريق واضحة وحقيقية لمعالجة هذا الملف، مع الاستعانة بالخبرات العلمية والأكاديمية المستقلة والاستفادة من تجارب التسويات الدولية”.

وينهي الفيلي حديثه بالقول: أعتقد أن التشاور في هذا الملف يجب أن يكون بين الحكومة والقضاء، لأنهما الأدرى بطبيعة المعالجة وحجم ملفات الفساد، خصوصا أننا نتحدث عن مئات المليارات من الدولارات.

ما بعد التسوية

وتتقاطع آراء الكثيرين في نقطة أساسية تتمثل في أن استرداد الأموال العامة، أمر لا يكفي وحده لتحقيق العدالة. فالمسألة تتعلق أيضا بمصير المتورطين بعد أي تسوية محتملة، ومدى التزام الدولة بمنعهم من العودة إلى مواقع النفوذ التي قد تسمح بتكرار ممارسات الفساد.

كما أن الجدل الدائر حول عدم التشهير بالفاسدين يطرح سؤالا إضافيا حول حدود حق الرأي العام في معرفة تفاصيل قضايا الفساد. غير أن كثيرا من المراقبين يرون أن الشفافية في كشف الحقائق تمثل جزءا أساسيا من استعادة ثقة المواطنين بالدولة، ويجب أن تمضي الحكومة بالكشف عن الاسماء رغم الضغوط التي تمارسها جهات سياسية واعلامية متنفذة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى