
يكشف مراقبون للشأن البيئي أن العراق ورغم حصوله على ما يقارب 4 مليارات دولار من المنح الدولية المخصصة لمواجهة التغيرات المناخية خلال المدة من 2016 إلى 2023، إلا أن التدهور البيئي ما يزال يفرض حضوره في الأهوار والأنهار والمجتمعات الزراعية. وفي وقت تشير فيه بيانات رسمية إلى تمويل مشاريع للتكيف والصمود البيئي، يثير ناشطون تساؤلات حول مدى انعكاس هذه الأموال على أرض الواقع، وآليات إدارتها، والفئات التي استفادت منها.
ويؤكد ناشطون وقادة منظمات بيئية معنية، أن الأزمة لا ترتبط فقط بتداعيات التغير المناخي، بل تتداخل معها سياسات حكومية متراكمة تتعلق بالتوسع النفطي وتجفيف الأهوار ورمي المخلفات وتحويل الأراضي الزراعية وضفاف الأنهار إلى مشاريع استثمارية. كما يطالبون بالكشف عن تفاصيل المشاريع الممولة دوليا، وضمان توجيه الدعم إلى المجتمعات الأكثر تضررا، لاسيما سكان الأهوار.
تدهور بيئي رغم الدعم المالي
ويقول الناشط البيئي مرتضى الجنوبي إن العراق تلقى خلال المدة من 2016 إلى 2023 ما يقارب 4 مليارات دولار من المنح المخصصة لمواجهة التغيرات المناخية، حيث جاءت عبر الدول المانحة وصندوق المناخ الأخضر الدولي، مبينا أن هذه المنح تمر عبر وزارة البيئة التي تتولى إدارة المشاريع بالتعاون مع الجهات الدولية.
ويبيّن الجنوبي في حديثه لـ”طريق24″، أن “الوزارة أدرجت عام 2023 مشاريع تُقدر بنحو 25 مليون دولار شملت برامج تتعلق بالأهوار والتكيف والصمود”، إلا أنه يرى أن التدهور البيئي في العراق لا يرتبط بالدرجة الأولى بالتغيرات المناخية، وإنما بـ”سياسات الحكومات المتعاقبة، مثل التوسع النفطي وتجفيف الأهوار ورمي المخلفات في الأنهر وتحويل البساتين وضفاف الأنهار إلى مشاريع استثمارية”.
ويعتقد المتحدث أن الحكومات “ربطت هذا التدهور بالتغيرات المناخية للحصول على المزيد من المنح الدولية، في حين كان من المفترض أن تُوجه الأموال إلى المجتمعات الأكثر تضررا، لاسيما سكان الأهوار، عبر مشاريع حقيقية تعزز من قدرتهم على التكيف مع آثار التغير المناخي”.

مشاريع بلا نتائج ملموسة
ويمضي الجنوبي بالقول: “هناك مشاريع تحمل عناوين لها علاقة بتكيف سكان هور الحويزة وأهوار الجبايش والمجتمعات الزراعية”، إلا أن الواقع الميداني، بحسب قوله، “لا يعكس تنفيذ أي منها على الأرض”، لافتا إلى أن “الأرقام المعلنة لا تتطابق مع ما تحقق ميدانيا”.
ويُذكّر الناشط بأن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو) “خصصت عام 2021 نحو 21 مليون دولار لدعم مربي الجاموس في محافظات ميسان والبصرة وذي قار، إلا أن كثيرا من المستفيدين، لم يتسلموا الأعلاف، فيما حصل آخرون على كميات محدودة لا تتناسب مع حجم التمويل المعلن”، على حد تعبيره.
ويشدد على أن نجاح مشاريع مواجهة التغيرات المناخية يتطلب إشراك المجتمعات المحلية في إعدادها وتنفيذها، باعتبارها الأقدر على تحديد احتياجاتها، منتقدا في الوقت نفسه آلية المشاركة في المؤتمرات البيئية المحلية والدولية، والتي يرى أنها لا تضم ممثلين حقيقيين عن سكان الأهوار أو المختصين الميدانيين، رغم ما يُنفق عليها من أموال.

مطالبات بالشفافية والمحاسبة
من جانبه، يقول أبو الحسن علي، مدير منظمة جلجاموس، إن وزارة البيئة لا تقدم أي دعم للمنظمات غير الحكومية، رغم أن دور هذه المنظمات يقوم على رصد التجاوزات البيئية التي تطال الأنهار والأهوار والثروة السمكية وسائر الملفات الأخرى.
وخلال حواره مع “طريق24″، يرى علي أن وزارة البيئة “تعتمد على عدد محدود من المنظمات المرتبطة بها للحصول على الدعم والمشاريع، في حين تستبعد وتُقصي بقية المنظمات ولا تعتمدها لهذا السبب”.
ويؤكد أن الوزارة تنفذ مشاريع بالتعاون مع منظمات دولية، من بينها برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، إلا أن تفاصيل تنفيذ هذه المشاريع والجهات المستفيدة منها تبقى غير واضحة، مشيرا إلى أن غالبية المشاريع لا يظهر لها أثر ملموس على أرض الواقع.
ويتابع أن الجهات البيئية طالبت أكثر من مرة بالكشف عن تفاصيل الأنشطة والمشاريع وآليات إنفاق الأموال، إلا أنها لم تتلقَّ إجابات، معتبرا أن غياب الشفافية يستوجب مساءلة الجهات المعنية عن الأموال التي خُصصت للمشاريع البيئية، والكشف عن المشاريع المنفذة والفئات المستفيدة منها.
ويختتم علي حديثه بالإشارة إلى أن “مشروع دعم أهوار الحويزة والمجتمعات المحلية والسياحة البيئية والنساء، الذي أُعلن عنه عام 2023، لا وجود له على أرض الواقع”، داعيا إلى إخضاع ملف المنح البيئية للرقابة والمحاسبة لضمان وصولها إلى المجتمعات الأكثر تضررا.



