
حين اعتلى جود العباس منصة التتويج، وارتفع علم العراق في بطولة العالم للفنون القتالية، ظن أن رحلة السنوات الشاقة بدأت تؤتي ثمارها. الشاب الذي لم يتجاوز السادسة عشرة من عمره، عاد إلى بلده يحمل ميدالية ذهبية، ولقبا عالميا، وأحلاما أكبر من عمره. وبكل براءة، أنتظر أن يجد ما يشعره بأن كل ما قدمه كان يستحق.

وبعد أيام من فوزه دُعي إلى لقاء مع أحد المسؤولين والتُقطت له الصور التذكارية، وتلقى كلمات الإشادة، ثم سُلم ظرفا مغلقا أمام عدسات الكاميرات لم يفتحه داخل القاعة، لكنه ما إن غادر المكان حتى اكتشف أن الظرف لا يحتوي سوى 15 ألف دينار. يا للصدمة والكوميديا!

الفكرة لا تقوم على أهمية وحجم التكريم المادي، فلطالما لم يحصل ابطال ومبدعين عراقيين على اي مقابل. لكن بعد أن يعود شاب في مقتبل العمر من بطولة دولية مع لقب مهم، لا بد أن يشعر بالامتهان والانتقاص عندما يجد داخل ظرف المسؤول ذلك المبلغ الزهيد المضحك. في تلك اللحظة، لم يشعر جود بأن المبلغ كان قليلا فحسب، بل شعر بأن سنوات التعب، والبطولات، والتضحيات، اختُزلت في رقم لا يشبه ما حققه، بحسب ما يقوله والده لـ”طريق24″.

ويصف الوالد ما مرّ به أنه عندما عاد إلى المنزل، فقط كان مثقلا بالاحباط، وبقي صامتا قبل أن يلتفت إليه قائلا: “بابا… كل هاي السنين وأنت تتعب وتصرف علي حتى أوصل للعالمية، وبالنهاية هذا هو التقدير؟ بعد اليوم ما أريد أشارك ببطولات خارجية”. كانت تلك الكلمات، بحسب والده، أشد قسوة من أي خسارة داخل الحلبة. لكن قصة جود لم تبدأ عند منصة التتويج، ولا عند ذلك الظرف الصغير.

في عام 2016، فقد جود والدته في انفجار، بينما أصيب هو بجروح تركت آثارها على وجهه حتى اليوم. لقد كان حدثا مدويا غير حياته وهو في سنواته الأولى، إلا أنه رفض أن يستسلم لهذه التراجيديا المبكية، وأن يبقي في داخله بقعة من الضوء والأمل، واختار أن يواجهها بالطريقة الوحيدة التي أحبها. بدأ جود هذه الرحلة الرياضية قبل عامه السابع، ومنذ ذلك الحين لم يعرف سوى التدريب والانضباط. كان يقضي ساعات طويلة داخل القاعة، يصقل مهاراته ويطور أداءه، حتى أصبح واحدا من أبرز المواهب العراقية في اللعبة.

ويكشف والد جود لـ”طريق24″ التفاصيل الرياضية الكاملة لأبنه، ويوضح أن سجله صار يتضمن أخيرا بعد هذا الفوز “لقب بطل العالم”، ووصافة بطولة آسيا، إلى جانب 17 بطولة محلية أحرز فيها المركز الأول، فضلا عن عشرات الشهادات والأوسمة التي حصل عليها خلال مسيرته. ورغم هذه الإنجازات، لم تحظ رحلته بما يوازيها من اهتمام. وبحسب الوالد وهو يتحدث بحسرة، تتحمل الأسرة جميع تكاليف التدريب والتجهيزات، فيما يتدرب جود مع زملائه داخل أكاديمية مستأجرة يدفعون إيجارها من مالهم الخاص، دون أن توفر لهم الجهات المعنية مكانا مناسبا أو دعما ثابتا، وهم ينظرون في الوقت ذاته إلى دول قريبة ومحيطة مستعدة أن تدفع الكثير والكثير مقابل أن تجد مثل هذه المواهب لتمثلها أمام العالم وتفخر بالحصول على الألقاب والأوسمة من خلالها.

ولم تكن هذه العقبات الوحيدة، فقد تلقى جود دعوتين رسميتين للمشاركة في بطولة دولية بتايلند، إحداهما العام الماضي والأخرى هذا العام، لكن الدعوتين بقيتا من دون استجابة، لأن الأسرة لم تستطع توفير تكاليف السفر. ويقول والد جود إن أكثر ما يؤلمه ليس المال بحد ذاته، بل شعور ابنه بأن إنجازاته تمر من دون تقدير حقيقي، مضيفا أن جود عاد من بطولة العالم التي اقيمت في “رامسار” أكثر ثقة بنفسه، بعدما رفع علم العراق على منصة التتويج، لكنه عاد بعد لقاء المسؤول محملا بغصة لم يستطع إخفاءها.

ويوضح الأب أنه حاول أن يعيد الأمل إلى ابنه، قائلا له إن قيمة البطل لا تُقاس بحجم المكافأة، وإن اسمه سيبقى محفورا في تاريخ الرياضة، وإن الميداليات التي جمعها ستبقى شاهدة على ما حققه مهما تجاهلها الآخرون. ويختم الأب حديثه لـ”طريق 24″ بحسرة: “اليوم جود عمره 16 سنة، وهو بطل عالم ووصيف آسيا، وإذا بهذا العمر حقق كل هذه الإنجازات، فماذا يمكن أن يحقق عندما يكبر لو وجد من يحتضنه؟ نحن لا نطلب المستحيل، فقط نريد أن يشعر هذا الشاب أن بلده يقف معه، حتى لا يخسر العراق بطلا صنع نفسه بنفسه، وقاتل في الحياة قبل أن يقاتل داخل الحلبة”.



