
في مدينة شقلاوة، حيث تتعانق بساتين التفاح مع سفوح الجبال، لا تُقاس بعض الحكايات بعدد السنوات، بل بما تتركه من أثر في البيوت والأسواق وذاكرة الناس. هنا، لا تبدأ قصة خانزاد من معمل أو استثمار كبير، وإنما من مطبخ صغير، ومن فتاة كردية لا يتجاوز عمرها أربعة عشر عاما، تقرر في عام 1970 أن تحول ما تصنعه بيديها إلى عمل يمنح عائلتها في المستقبل موردا للحياة.
ففي مجتمع اشتهر باعتماده على الزراعة والإنتاج المحلي، لطالما لعبت المرأة الكردية دورا يتجاوز حدود المنزل. فهي شريك في الحقول، وحافظة للموروث الغذائي، وركيزة في الصناعات المنزلية التي تنتقل من جيل إلى آخر. ومن بين تلك القصص، تبرز حكاية خانزاد، التي تجعل من خل التفاح أكثر من مجرد منتج غذائي، بل رمزا للاستمرار والإصرار والعمل العائلي.
كل شيء يبدأ في سبعينيات القرن الماضي. تعد خانزاد كميات محدودة من خل التفاح داخل منزلها، ثم تحملها بنفسها إلى دكاكين شقلاوة. لم تكن تفكر آنذاك في مصنع أو أسواق خارج العراق، بل في أن يكون المنتج جيدا بما يكفي ليعود الزبون مرة أخرى. ومع مرور الوقت، تتحول الثقة إلى سمعة،

والسمعة إلى طلب متزايد، ليكبر المشروع بهدوء عاما بعد آخر.
ومع اتساع العمل، لم تعد خانزاد تعمل وحدها. أفراد العائلة يدخلون واحدا تلو الآخر إلى هذه الحرفة، ويتحول المشروع إلى عمل عائلي تتوزع فيه المسؤوليات، بينما تبقى صاحبة البدايات حاضرة في كل مرحلة، تتابع الإنتاج، وتراقب الجودة، وتضيف بخبرتها ما يجعل المنتج يحافظ على هويته رغم توسع الأسواق.
ويقول ابنها، توانا عمر، لـ”طريق 24″: “تعلمنا هذه المهنة من والدتي، ولا يبدأ أي إنتاج من دون إشرافها. خبرتها هي التي تقود العمل، وكل ملاحظة تقدمها تساعدنا على تطوير المنتج.”
ولا تنفصل قصة المشروع عن طبيعة كردستان نفسها. فالمادة الأساسية تأتي من تفاح مزارع حاج عمران، إحدى المناطق المعروفة بإنتاجها الزراعي. يبدأ العمل باختيار الثمار بعناية، ثم تمر بمرحلة التخمير الطبيعية التي تحتاج إلى وقت وصبر، قبل عمليات المعالجة والتعبئة، وصولا إلى الأسواق. وتؤكد العائلة أن المنتج يعتمد بالكامل على التفاح المحلي، بعيدا عن أي مواد مستوردة.
وتعكس هذه التجربة جانبا من أهمية الصناعات الغذائية الصغيرة في إقليم كردستان، حيث تعتمد كثير من المشاريع العائلية على المنتجات الزراعية المحلية، لتتحول مع مرور الوقت إلى علامات تجارية ترتبط بالمكان، وتوفر فرص عمل ودخلا ثابتا للأسر، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تشجيع الإنتاج المحلي بوصفه ركيزة للتنمية الاقتصادية.
ولا يتوقف نشاط خ
انزاد وعائلتها عند خل التفاح وحده، إذ تواصل أيضا إعداد الطرشي بالطريقة التقليدية التي ورثتها منذ سنوات طويلة، محافظة على أسلوب التحضير اليدوي والاهتمام بالتفاصيل، في محاولة للحفاظ على الطابع التراثي للمنتجات التي تشتهر بها المنطقة.
ويشير توانا إلى أن للمنتج زبائن يطلبونه بشكل دائم، فبعضهم يستخدمه ضمن نظامه الغذائي، فيما يقصده آخرون لما يعتقدون أنه يقدمه من فوائد صحية، وهو ما يجعل الطلب مستمرا رغم المنافسة واتساع الأسواق.
ومع توسع المشروع، تكبر التحديات أيضا. فإيصال المنتجات إلى المحافظات العراقية المختلفة، ثم إلى الأسواق الخارجية، يفرض أعباء تتعلق بالنقل والتوزيع والحفاظ على جودة المنتج حتى يصل إلى المستهلك. إلا أن استمرار ثقة الزبائن، بحسب العائلة، يجعل هذه الصعوبات جزءا طبيعيا من رحلة العمل.
ويقول توانا:
“هذا المشروع هو مصدر رزقنا الأساسي. نواجه تحديات في النقل والتوزيع، خصوصا عند إرسال المنتجات إلى المحافظات أو خارج العراق، لكن ثقة الزبائن وطلبهم المستمر يدفعاننا إلى الاستمرار.”
واليوم، لا تقف منتجات خانزاد عند حدود شقلاوة أو مدن إقليم كردستان، بل تجد طريقها إلى أسواق في ألمانيا والسويد وفرنسا، في رحلة تبدأ من تفاحة تنضج في بساتين كردستان، وتنتهي على رفوف متاجر في أوروبا.
ورغم كل هذا الاتساع، تبقى الصورة الأولى كما هي؛ امرأة كردية تقف وسط عائلتها، تتابع تفاصيل العمل، وتحافظ على الوصفة التي بدأت بها منذ عقود. وبين البداية المتواضعة والحضور في الأسواق الخارجية، تروي خانزاد حكاية امرأة جعلت من الحرفة مشروعا، ومن المشروع إرثا عائليا يحمل اسمها ويعكس جانبا من هوية كردستان المنتجة.




