
كان الدهن الحر يُلفّ بورق أحمر، والبيض يُباع بالحبة، والأعشاب جزءا من حياة الناس. بهذه التفاصيل يستعيد سيد حيدر سنوات عمله الأولى في عطارة “بيت أبو الهوى” بمدينة الكوت، تفاصيل صغيرة بقيت في ذاكرته، فيما مضى الزمن بأجيال من الباعة والزبائن، وغيّر الكثير من عادات السوق وأهله.
مسيرة لأكثر من 100 عام
بدأ العمل عام 1982، لكن حكاية العائلة مع المهنة أقدم من ذلك بكثير. أكثر من مئة عام مرّت على انطلاق العطارة التي ورثها عن جده الأكبر سيد طه، وما زالت رائحة الأعشاب تصل ماضيها بحاضرها. أما المستقبل، فيتحدث عنه بشيء من القلق؛ فأبناؤه اختاروا الطب والهندسة، وبقي السؤال عمّن سيحمل اسم العائلة في السوق بعده.
قبل أن يستقر الاسم في الكوت، بدأت الحكاية برجل كثير الأسفار. تنقّل سيد طه بين اليمن وسوريا، قبل أن يستقر في العراق، وكان يجوب المناطق لجلب الأعشاب. وبحسب رواية الأسرة، أكسبته كثرة تنقله وسرعته في التجارة لقب “أبو الهوى”، فصار اللقب اسما للعطارة، ثم إرثا تناقلته الأجيال.
استقر الرجل، وبقيت في الاسم حكاية رحلاته. وما كان لقبا لتاجر يعرف الطرق إلى الأعشاب، أصبح مع مرور السنين علامة يعرفها زبائن المدينة.

مهنة من خيرات الأرض
يقول سيد حيدر في حواره مع “طريق 24”: “بدأت الشغل سنة 1982، وكنا نبيع الاعشاب والدهن الحر ملفوف بورق أحمر، والبيض بالحبة الناس كانت تعتمد علينا بثقة، لأن الأعشاب كانت جزء من حياة الناس”.
في هذه الذاكرة، تتجاور حاجات المائدة مع الأعشاب، وتبدو العطارة أقرب إلى تفاصيل البيت منها إلى تجارة متخصصة بسلعة واحدة. للورق الأحمر مكان في الحكاية، وللبيضة التي تُشترى منفردة أيضا؛ فكلاهما يروي شيئا عن إيقاع العيش يومها، حين كانت المشتريات تُقاس بالحاجة، وتكتسب المحال مكانتها من معرفة الناس بأصحابها.
والعطارة، في أصلها، مهنة تتعامل مع خيرات الأرض: أوراق وبذور وجذور وأزهار، تنتقل من مواضع نموها إلى الأسواق، حاملة روائح بيئات بعيدة. وراء هذه المواد معرفة بأسمائها وأصنافها وطرق حفظها واستعمالاتها المتوارثة؛ معرفة كانت تنتقل بالعمل والملازمة، ويضيف إليها كل جيل ما تعلّمه ممن سبقه.
صيدلية طبيعية
وعلى امتداد قرون، شكّلت المعارف التقليدية المرتبطة بالنباتات موردا تلجأ إليه الأسر والمجتمعات طلبا للعافية. ولم ينقطع هذا الحضور، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن الطب التقليدي ما زال خيارا أول لملايين الناس، خصوصا في المناطق الريفية والنائية، لارتباطه بثقافتهم وتوافره وقلة كلفته. وفي هذا التاريخ الواسع، وجدت العطارة مكانها بين حاجة الناس وما تمنحه الأرض.
لهذا يصف سيد حيدر مهنته بأنها “صيدلية طبيعية”. تعبير يلخّص نظرته إلى الحرفة التي نشأ فيها، وإلى الثقة التي يراها أساس بقائها. وحين يتحدث عن زبائنه، تتسع جغرافية المحل أبعد من الكوت: “الناس تجيني من البصرة، من أربيل، حتى من خارج العراق”.

يربط الرجل هذا الامتداد بسمعة تراكمت عبر سنوات العمل. فالاسم الذي تركه الجد يحتاج، مع كل جيل، إلى من يصونه، وقد يرث الحفيد المحل وبضاعته، لكن ثقة الزبائن تظل شيئا عليه أن يستحقه بنفسه.
وللنباتات أهمية تتجاوز الحنين إلى الأسواق القديمة. فقد أسهمت منتجات طبيعية ومعارف تقليدية في تطوير أدوية حديثة. غير أن هذه القيمة تستدعي البحث والتحقق من الفاعلية والسلامة، وهو ما تؤكده منظمة الصحة العالمية، فقدم الاستعمال وحده لا يكفي لإثبات صلاحية أي مادة للعلاج. بذلك تستطيع المعرفة الموروثة أن تكون بداية للبحث، وأن تجد امتدادا لها في العلم.
لكن ما يشغل سيد حيدر اليوم هو استمرار الحرفة نفسها. ففي عائلته، التي حملت العطارة جيلا بعد آخر، اتجه الأبناء إلى مسارات جامعية ومهنية أخرى. يقول: “أولادي درسوا طب وهندسة، والمجتمع ما ينظر للعطارة مثل الطب، يمكن المهنة تنحصر، لكن أتمنى أن تستمر لما تحمله من فوائد وتاريخ”.
وتختصر كلماته مأزقا تعرفه المهن الموروثة: قد يبقى لها زبائنها وقيمتها، فيما يقلّ الراغبون في تعلّمها. واستمرار الطلب لا يضمن وحده استمرار الحرفة، إذا لم تجد من يمنحها سنوات من عمره، ويحفظ تفاصيلها التي لا تختصرها أسماء البضائع.
في “بيت أبو الهوى”، أخذ هذا التحول شكلا عائليا واضحا: الأب يحمل خبرة السوق، والأبناء يحملون كتب الطب والهندسة. وبين الطريقين يقف إرث عمره أكثر من قرن، ينتظر من يجد فيه مستقبله، مثلما وجد فيه الآباء رزقهم ومكانهم بين الناس.
حتى الآن، تواصل رائحة الأعشاب حضورها في الكوت، ويواصل سيد حيدر الحكاية. كان الجد يجوب البلاد بحثا عمّا يجلبه إلى المحل، أما الحفيد، فيأمل أن يأتي جيل جديد يجد في المحل ما يستحق البقاء.




