
تصل وعود التفتيح والتنحيف وإزالة البثور إلى العراقيين عبر إعلانات متلاحقة على مواقع التواصل، فيما تبقى مكونات بعض المنتجات ومصادرها خارج معرفة المستهلك. وتُسوَّق هذه الخلطات المنزلية والصابون والكريمات بوصفها حلولا سريعة، كما تتقدم شهرة المروّج وتجارب المتابعين على السؤال عن الترخيص والفحص. وفي المقابل، تؤكد وزارة الصحة أن الخلطات غير المرخصة مخالفة للقانون، لكنها تحصر دورها في الرصد الفني وإحالة المخالفات إلى الجهات المعنية، بما يطرح سؤالا عن كفاية المتابعة وقدرتها على وقف الترويج قبل وصول الضرر إلى المستخدمين.
سوق منفلت ورقابة محدودة
لا تقتصر المشكلة على إعلان مبالغ فيه، بل تتصل بسوق تختلط فيها مستحضرات العناية بادعاءات علاجية، ويصعب على المشتري التمييز بين منتج خضع للفحص وخلطة جرى إعدادها بمكونات مجهولة. وحين يصبح عدد المتابعين معيارا للثقة، تتحول المنصة إلى نافذة بيع لمنتجات قد يستخدمها أشخاص يعانون أمراضا جلدية أو مزمنة، من دون تشخيص أو معرفة بما تحتويه.
ويقول المتحدث باسم وزارة الصحة سيف البدر، في حديث لـ”طريق24″، إن تداول الأدوية والمستلزمات الطبية يجب أن يجري بالطرق القانونية، مشددا على الرجوع إلى الطبيب المختص والشراء من صيدلية مرخصة ومعترف بها.
ويرفض البدر حصر المشكلة بمنصة “تيك توك”، موضحا أن موقف الوزارة يشمل مختلف وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، وأن الترويج للأدوية والمواد والمستلزمات الطبية بهذه الطريقة “إجراء غير قانوني وغير صحيح”. ويضيف أن امتلاك الدواء ترخيصا لا يجعل أسلوب تداوله والترويج له عبر هذه الصفحات صحيحا، فكيف بالخلطات والمبيضات غير المرخصة.
وعن المسؤولية، يحدد البدر الجهات الأمنية وهيئة الإعلام والاتصالات والنقابات والجهات المعنية بمراقبة وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي بوصفها مسؤولة عن ملاحقة الصفحات التي تمارس الترويج غير القانوني، قائلا: “دورنا في وزارة الصحة هو الجانب الفني، نرصد مثل هذه المخالفات ونرسلها إلى الجهات المعنية للمتابعة والمحاسبة”.
ويشير إلى تشكيل عدة لجان لمراقبة الموضوع ومتابعته لما ينطوي عليه من مساس بالصحة، مضيفا أن الوزارة تترقب إجراءات رادعة بحق المخالفين. غير أن التصريح لم يتضمن أعداد الصفحات المحالة، أو المنتجات التي سُحبت، أو نتائج الإجراءات المتخذة، وهي بيانات ضرورية لتقييم ما إذا كانت المتابعة تواكب انتشار الإعلانات أم تظل دون حجمه”.
من يحمي المستهلك؟
وتبرز هنا المسافة بين اكتشاف المخالفة ووقفها، فإحالة المنشور إلى جهة أخرى لا توضح وحدها مصير المنتج، ولا ما إذا جرى فحصه أو منع بيعه أو الوصول إلى مكان تصنيعه.
ومن الجانب الصحي، يقول فراس كاظم، رئيس معاون طبي أقدم وموظف بوزارة الصحة، إن السوق المحلية شهدت انتشار الترويج لخلطات عشبية محلية للعناية بالبشرة وتبييضها، إلى جانب خلطات للتنحيف وأخرى تدّعي علاج السكري، ترافقها حملات دعائية مركزة تستفيد من سرعة انتشار المقاطع وسهولة الوصول إلى المواطنين.
ويحدد كاظم خلال حديثه مع “طريق24” الخطورة الأساسية في كون العناصر المستخدمة مجهولة المصدر والتركيب في كثير من الحالات، فضلا عن احتمال افتقار المصنّع إلى الخلفية العلمية اللازمة لمعرفة آثارها الجانبية وتداخلاتها. ويشير إلى أن تركيب بعض الخلطات يجري بصورة عشوائية، دون ضبط دقيق للكميات والأوزان والتركيزات، ما يجعل تأثيرها غير محسوب.
ولا تنتهي المخاطر عند المكونات، بحسب كاظم، إذ قد تُحضّر المنتجات في أماكن غير صحية وبأدوات ملوثة أو غير مهيأة لهذا الاستخدام. ويضيف أن كثيرا منها يُطرح دون علامة تجارية واضحة أو تسجيل وترخيص رسميين، فيصبح المستهلك أمام منتج لا يعرف مصدره أو تركيبته أو الجهة التي تتحمل مسؤوليته.
أما الإقبال عليها، فيربطه بالنتائج السريعة التي قد يلاحظها المستخدم، فيعدّها دليلا على الفعالية. لكنه يحذر من أن سرعة التأثير لا تعني الأمان، وقد تكشف عن إضافة مواد دوائية أو كيميائية قوية إلى تركيبة تُعرض على أنها عشبية، دون الإفصاح عن طبيعتها أو جرعتها.
نتائج خادعة وتأثيرات مستقبلية خطيرة
وفي خلطات البشرة، يوضح كاظم أن بعض المصنّعين يمزجون مراهم وأدوية بمقادير عشوائية للحصول على تفتيح أو توريد سريع، أو لإزالة النمش والبثور والتجاعيد. وقد يبدو المظهر أفضل بداية، قبل ظهور أضرار مرتبطة بالاستخدام غير الصحيح، تختلف بحسب المادة وتركيزها ومدة استعمالها وحالة الجلد.
ويلفت إلى مشكلة أكثر تعقيدا عندما يستخدم المصاب بفطريات جلدية مستحضرا يحتوي على الكورتيزون؛ إذ قد يخف الاحمرار أو الحكة مؤقتا، فيعتقد أنه شُفي، بينما تبقى العدوى ويتغير مظهرها، بما يصعّب تشخيصها وعلاجها. ويتوافق ذلك مع شرح موقع “ديرمنت” المتخصص بالأمراض الجلدية للحالة المعروفة بالفطريات المتخفية، التي يتبدل مظهرها بفعل الاستخدام غير المناسب للعلاجات المثبطة للمناعة، ومنها الستيرويدات الموضعية.
وقد تتجاوز مضاعفات بعض مستحضرات التفتيح الجلد إلى أضرار عصبية شديدة. ففي حالة موثقة خارج العراق، نشرت المراكز الأميركية للسيطرة على الأمراض والوقاية منها تقريرا عام 2019 عن امرأة تبلغ 47 عاما في كاليفورنيا، استخدمت كريم تفتيح جُلب من المكسيك، وأظهرت التحاليل احتواءه على تركيز مرتفع من الزئبق.
بدأت أعراضها باضطراب الإحساس وضعف الأطراف العلوية، ثم تطورت إلى صعوبة الكلام وتشوش الرؤية وعدم الاتزان، وصولا إلى تدهور عصبي استدعى دخول المستشفى. وبحسب التقرير، ظلت عند استخدامه عاجزة عن الكلام والعناية بنفسها، وتحتاج إلى التغذية بأنبوب رغم العلاج. وتوثق الحالة خطورة الغش في مستحضرات التجميل.
وتمتد التحذيرات إلى خلطات الأمراض المزمنة. ويورد كاظم مثالا على احتمال سحق أدوية لخفض سكر الدم ومزجها بالأعشاب، فينسب المستخدم انخفاض السكر إلى الخلطة، بينما يعود التأثير إلى الدواء المخفي فيها. وتكمن المشكلة في جهله بالمادة والجرعة، خصوصا إذا كان يتناول علاجه المعتاد بالتزامن معها.
ويحذر أيضا من خلطات التنحيف التي تضم أعشابا متعددة دون دراسة تداخلاتها، مؤكدا أن وصف المادة بأنها طبيعية لا يكفي لضمان سلامتها. ويشير إلى أن المستحضرات ذات التأثير المسهل القوي قد تسبب، مع الإفراط، إسهالا وجفافا واضطرابا في أملاح الجسم، بما قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة.
هذه المخاطر تضع المروّجين أمام مسؤولية لا تُختزل بعرض تجربة شخصية. فالشخص الذي يقدم منتجا مجهولا بوصفه حلا لمشكلة صحية يمنحه ثقة قد تدفع المتابع إلى استخدامه أو الاستغناء عن علاجه. ويرى كاظم أن صور “قبل وبعد” وكثرة التعليقات وشهادات بعض المستخدمين ليست أدلة علمية على السلامة والفعالية.
وفي المقابل، لا يمكن تحميل المشتري وحده عبء اكتشاف ما لم يُعلن على العبوة. فالتوعية بقراءة المكونات والتحقق من المصدر تحتاج إلى رقابة تضمن وجود هذه المعلومات وصحتها، وإلى نتائج فحص معلنة تتيح معرفة المنتجات المخالفة، بدلا من الاكتفاء بتحذير عام من خلطات لا يعرف الجمهور أسماءها.
ويشدد كاظم على عدم استبدال العلاج الموصوف بخلطات مجهولة، وعلى استمرار التوعية بمخاطرها. لكن بقاء الإعلانات متاحة، فيما تنتظر الجهات الصحية إجراءات الردع، يترك السؤال الأهم مفتوحا: متى تتحول إحالات المخالفات إلى نتائج معلنة تمنع البيع وتحاسب المسؤولين؟ فالمعيار العملي للرقابة هو قدرتها على إيقاف المنتج المخالف قبل أن يصبح مستخدمه حالة مرضية جديدة.



