
في محل الحلاقة، يستمع ساجر إلى محاضراته الجامعية عبر سماعات الأذن، ويستثمر ما يتاح من وقت لمتابعة دروسه. لهذا الشاب، الذي تحدث في حوار مع “طريق24″، مسؤوليات تتوزع على العمل والدراسة ورعاية أسرته، وطموح رافقه منذ اضطر إلى كسب رزقه قبل أن يكمل عامه العاشر، إثر وفاة والده.
تعلم خلال رحلته سبع مهن، واستقر في الحلاقة، وتزوج وأصبح أبا لابنتين. وحين عاد إلى الدراسة، حمل معه سنوات من الاعتماد على النفس، حتى بلغ المركز الثالث على دفعته في كلية الإدارة والاقتصاد بجامعة تكريت.

طفولة تحفظ تفاصيل التعب
نشأ ساجر في أحد أقضية محافظة صلاح الدين. ترك رحيل والده مسؤوليات مبكرة في حياته، وأصبح تأمين احتياجاته واحتياجات عائلته شاغلا يوميا لطفل يدخل سوق العمل ويتعلم كيف يوفر مصدر رزقه.
ويختصر تلك السنوات بقوله “كبرت دون أن أعيش طفولتي، لا أتذكر منها غير العمل والمسؤوليات الصعبة، وأولها توفير مصدر رزق لي ولعائلتي”.
تحتفظ ذاكرته بتفاصيل العمل وما فرضه عليه من التزامات. منذ ذلك العمر، أخذ يتعلم المهن واحدة تلو الأخرى، ويكتسب مهارات تتيح له مواصلة الكسب كلما احتاج إلى فرصة.
كانت كل حرفة يتقنها توسع قدرته على تدبير حياته. ومع تراكم الخبرة، صار يمتلك سبع مهن، بينها الحدادة والنجارة والحلاقة. وأفسح أيضا مساحة للرسم، الذي شارك من خلاله في مهرجانات أقيمت في بغداد.
حرفة تمنحه الاستقرار
وجد ساجر في الحلاقة مصدر رزق أساسيا، وبنى عمله بالتدريج. ومع اتساع قاعدة زبائنه، أصبح يحتاج إلى تنظيم المواعيد واعتماد الحجز المسبق لاستيعاب المقبلين على خدماته.
منحت المهنة يومه قدرا من الاستقرار، وصارت موردا يعتمد عليه في إعالة أسرته. تزوج ورزق بابنتين، واتسعت مسؤولياته مع الأبوة، وبقيت رغبته في إكمال تعليمه حاضرة.
اتخذ قرار العودة إلى الدراسة، والتحق بكلية الإدارة والاقتصاد في جامعة تكريت. أضافت الجامعة إلى يومه محاضرات ومراجعة وامتحانات، وكان عليه أن يجد لكل ذلك وقتا وسط التزاماته في المحل والمنزل.

وقت للدراسة بين مواعيد الزبائن
استعان ساجر بسماعات الأذن للاستماع إلى المحاضرات خلال وجوده في محل الحلاقة، واستثمر الأوقات المتاحة لمتابعة المواد الدراسية، إلى جانب تخصيص أوقات أخرى للمراجعة والاستعداد للامتحانات.
دخلت الدراسة في تفاصيل يومه المهني. يحمل معه ما يحتاج إلى متابعته، ويواصل التعلم في المكان الذي يكسب منه رزقه. وتطلب الاستمرار في هذه الحياة جهدا يوميا للحفاظ على عمله، ومتابعة دراسته، والوفاء بمسؤوليات أسرته.
وبعد سنوات من هذا الجهد، أحرز المركز الثالث على دفعته. جاء التفوق حصيلة وقت اقتطعه للدراسة، والتزام حافظ عليه مع استمرار حاجته إلى العمل.
يحمل هذا الإنجاز قيمة خاصة في مسيرة بدأت مبكرا بالفقد والمسؤولية. فالطفل الذي انشغل بتوفير لقمة العيش واصل تعليمه، ووصل إلى قائمة الأوائل وهو يدير عمله ويرعى أسرة.
خبرة تمتد إلى مساعدة الآخرين
وإلى جانب العمل والدراسة، شارك ساجر في مساعدة الفقراء والمحتاجين، وأشرف على مبادرات خيرية داخل عدد من المدارس.
كما ساهم مع مجموعة من الشباب في تأسيس صندوق للصدقات، يهدف إلى مساعدة الأيتام والمحتاجين، والمساهمة في بناء مساكن صغيرة لمن يعجزون عن توفيرها.
للأيتام مكان في هذا الجهد الذي يشارك فيه شاب خبر فقد الأب منذ طفولته. واليوم، يواصل ساجر إعالة أسرته بما تعلمه من حرفة، ويحمل تفوقه الجامعي ثمرة لسنوات من المثابرة، ويسهم مع آخرين في تأمين احتياجات أسر تحتاج إلى العون.




