
لم تعد قصة “الوجبة الثالثة” من الخريجين الأوائل وحملة الشهادات العليا مجرد ملف توظيف مؤجل، بل تحولت بالنسبة إلى المنتظرين إلى حياة معلقة بين شهادات جامعية، ووعود لم تكتمل، وتظاهرات متكررة، ومحاولات فردية للعثور على عمل يحفظ الحد الأدنى من الاستقرار. وخلف الأرقام والكتب الرسمية وطلبات التعيين، هناك سنوات من الانتظار، وأسر تتحمل الضغوط نفسها، وخريجون يرون أن أعمارهم تمضي وهم يطرقون أبواب المؤسسات من دون نتيجة.
آلاء قاسم واحدة من الوجوه الاحتجاجية البارزة في هذه الوجبة. قصتها الشخصية التي ترويها لـ”طريق24″ تكشف جانبا من الصورة الأوسع: خريجون أكملوا دراستهم، وواصل بعضهم طريقه إلى شهادات أعلى، لكنهم بقوا خارج الوظيفة العامة التي ينتظرونها، في وقت يقولون إن الوجبتين السابقتين حصلتا على فرص التعيين قبل أن تتوقف الإجراءات عند دورهم.
شهادات كثيرة.. واستقرار غائب
تقول قاسم إن عدم الحصول على وظيفة لم يكن مجرد غياب لمصدر دخل، بل أصبح عبئا يوميا امتد لسنوات. فمنذ تخرجها في كلية الآداب بجامعة بغداد عام 2005، بدأت بتدريس الطلاب في المنزل، وبقي هذا العمل، بحسب وصفها، غير مستقر ولا يوفر دخلا ثابتا يمكنها من تنظيم حياتها. قد يأتيها طلاب في شهر، ثم ينقطعون في شهر آخر، وقد تقضي ساعات طويلة في الشرح والمتابعة مقابل أجور محدودة أو متأخرة.
ومع مرور الوقت، لم تعد المشكلة مالية فقط. تقول إن بقائها في المنزل والعمل من داخله تسبب لها بمشكلات عائلية واجتماعية، وإنها شعرت دائما بأنها في مكان لا يتناسب مع ما بذلته من جهد دراسي.
وبعد بكالوريوس الآداب، درست الإعلام وتخرجت عام 2020، ثم أكملت الماجستير في جامعة بغداد وناقشت رسالتها عام 2023. ومع ذلك، بقيت النتيجة واحدة: لا وظيفة ثابتة ولا استقرار.
وتستعيد قاسم ليالي إعداد رسالة الماجستير حين كانت، وفق قولها، تسهر أحيانا حتى الصباح، لتجد نفسها بعد سنوات الدراسة أمام السؤال نفسه. ماذا فعلت كل هذه الشهادات بحياتها؟

الوجبة الثالثة بعد توقف التعيينات
هذه التجربة، بالنسبة إليها، ليست حالة فردية معزولة. فهي تربط معاناتها بمصير الوجبة الثالثة كلها، التي تقول إن ملفها معطل منذ أكثر من ثلاث سنوات. وتوضح أن الخريجين نظموا عشرات الوقفات والتظاهرات، وراجعوا مجلس الخدمة الاتحادي ووزارة المالية وجهات أخرى، أملا في فتح مسار للتعيين شبيه بما جرى مع الوجبتين الأولى والثانية.
وتقول قاسم إن منظومة “الكودات” بقيت مغلقة فترة طويلة، قبل أن تُفتح بعد احتجاجات ومطالبات متكررة، لكن فتحها لم يتبعه إطلاق استمارة التعيين التي كان الخريجون ينتظرونها. ومن هنا بدأ شعور جماعي بأن الإجراءات توقفت تحديدا عندما وصل الدور إلى الوجبة الثالثة.
وبحسب الأرقام التي تذكرها، حصلت الوجبتان السابقتان على نحو 67 ألفا و236 درجة وظيفية، توزعت بين نحو 43 ألفا و304 درجات للوجبة الأولى، ونحو 23 ألفا و932 درجة للوجبة الثانية بما فيها الملحق التكميلي.
وبين كل تظاهرة وأخرى، يعود أفراد الوجبة إلى حياتهم المؤقتة نفسها. من يدرّس بصورة غير منتظمة، ومن يبحث عن فرصة في شركة أو مدرسة أهلية، ومن يعتمد على أسرته بانتظار قرار قد يغير مسار حياته. ومع كل تأخير جديد، تتسع المسافة بين المؤهل العلمي والواقع الذي يعيشه أصحابه.
القطاع الخاص ليس بديلا آمنا
انتظار الوظيفة العامة لم يمنع قاسم من تجربة القطاع الخاص. تقول إنها ذهبت إلى شركات إعلان وترويج، ومدارس أهلية، وشركات للعمل على الحاسوب، لكنها لم تحصل على فرصة مستقرة.
وفي تجاربها، كانت الرواتب المعروضة في بعض المدارس الأهلية لا تتجاوز 250 أو 300 ألف دينار مقابل ساعات عمل طويلة، فضلا عن غياب ما تعتبره ضمانات كافية للاستقرار الوظيفي والمستقبل.
وترى قاسم أن هذه الصورة تعكس مشكلة أوسع تواجه كثيرا من الخريجين، وهي صعوبة العثور على عمل يقوم على الكفاءة وحدها، والخشية من أن تكون العلاقات الشخصية والوساطات أكثر تأثيرا من الشهادة والخبرة.
كما تنتقد هشاشة بيئة العمل في جزء من القطاع الخاص، وتقول إن الموظف قد يفقد عمله بسهولة عند تعرضه لظرف طارئ، فيما يبقى القلق قائما بشأن الضمان والتقاعد.
وبالنسبة إلى أبناء الوجبة الثالثة، لم تعد المطالبة بالتعيين مرتبطة بالراتب فقط. فالمتظاهرون يتحدثون عن سنوات من الدراسة والسهر والإنفاق، وعن شعور بأن الاستثمار في التعليم لم يعد يقود بالضرورة إلى فرصة عمل.
31 تظاهرة من دون نتيجة
هذا الشعور ظهر أيضا في شكل الاحتجاجات التي خاضتها الوجبة. تقول قاسم إنهم خرجوا في أكثر من 31 تظاهرة، ووقفوا أمام مجلس الخدمة الاتحادي ووزارة المالية وقرب المنطقة الخضراء، وتحملوا الحر والبرد، وبعضهم نام في مواقع التظاهر بانتظار أن يُسمع صوته.
وتروي أن بعض التظاهرات شهدت احتكاكات مع قوات الشغب، وتقول إن متظاهرين تعرضوا للضرب وإن بعضهم نزف، كما تحدثت عن اعتقال ممثلين عن حملة الشهادات العليا واستجوابهم. وذكرت أن إحدى المشاركات الحوامل تعرضت للضرب، ما أدى إلى فقدان جنينها.
ورغم ذلك، تؤكد أن مطالبهم بقيت سلمية، وأنهم لم يخرجوا لإثارة الفوضى أو تهديد الأمن، بل للمطالبة بما يعدونه حقا قانونيا ووظيفيا. وتقول إنهم يريدون أن يُنظر إليهم بوصفهم أصحاب شهادات وكفاءات ينتظرون فرصة لخدمة مؤسسات الدولة، لا باعتبارهم مشكلة أمنية.

سنوات تمر والعمر لا ينتظر
قاسم تنتقد ما تصفه بسوء التخطيط لاحتياجات الدولة، وترى أن المشكلة لا تقتصر على نقص التخصيصات المالية، بل تمتد إلى طريقة توزيع الوظائف واستثمار الطاقات العلمية. وهي تسأل لماذا لا يجد أصحاب الشهادات مواقع تتناسب مع تخصصاتهم، ولماذا لا تكون هناك رؤية أوضح لربط التعليم بسوق العمل.
لكن خلف هذا الخطاب يبقى الجانب الإنساني هو الأكثر حضورا. خريجون يقضون سنوات في الانتظار، وأسر تتحمل معهم الضغط، وشهادات معلقة على الجدران من دون أن تتحول إلى مسارات مهنية، ومظاهرات تتكرر لأن أصحابها لا يرون طريقا آخر لإيصال صوتهم.
تقول قاسم إنها أمضت 21 عاما من دون وظيفة ثابتة، وإن أكثر ما يخيفها هو أن يستمر الانتظار سنوات إضافية. ما زالت تدرس الطلاب في المنزل، وما زالت، كما تقول، تعيش حالة عدم الاستقرار نفسها التي بدأت بعد تخرجها الأول.
“هل ترضى أن تعيش ابنتك هذا الوضع؟”
تختصر قاسم موقفها بسؤال تقول إنها تتمنى أن تطرحه مباشرة على المسؤول عن ملف التعيينات: “هل يرضى أن تكون ابنته أو أخته أو إحدى قريباته بهذا الوضع الذي نعيشه؟”.
بالنسبة إليها، يلخص هذا السؤال القضية كلها: سنوات من الدراسة، ثم سنوات أخرى من الانتظار والمراجعات والتظاهرات من أجل فرصة عمل.
ومع استمرار الانتظار، تقول الوجبة الثالثة إنها لن تتراجع عن مطالبها. فبالنسبة إلى هؤلاء، لم يعد التعيين مجرد وظيفة أو راتب شهري، بل محاولة لاستعادة معنى سنوات الدراسة، والخروج من حياة معلقة على الوعود إلى حياة يمكن التخطيط لها بثقة واستقرار.



