العراقحكاياتفن وثقافة
أخر الأخبار

فنانة تعيش على أسطوانة الأوكسجين.. قصة طفلة كسرت حدود المرض وفتحت نوافذ الجمال أمام الأطفال

أُصيبت مريم أحمد عبد الزهرة بالتليف الرئوي وهي في الثالثة من عمرها، فكبرت برفقة العلاج والمستشفيات والاعتماد الدائم على الأوكسجين. وفي عام 2018، خلال إقامة طويلة في المستشفى، بدأت تمنح وقتها للرسم والقراءة والكتابة. كانت تبحث عما تفعله في أيام يثقلها المرض، قبل أن يتحول الرسم إلى مسار يقودها إلى معرض في كربلاء، ثم إلى تدريب الأطفال وإطلاق مشروع “شهيق الفن”. وفي حوار موسع مع “طريق 24″، تتحدث مريم عن هذه الرحلة، وعن إصرارها على مواصلة الدراسة والفن رغم ما فرضته عليها ظروفها الصحية.

طفولة برفقة اسطوانات الأوكسجين

حين أُصيبت مريم بالمرض، كانت في سن لا يدرك فيها الطفل معنى أن يصبح العلاج جزءا من يومه. ومع مرور السنوات، تعلّمت التعامل مع التليف الرئوي ومع الحاجة الدائمة إلى الأوكسجين، فيما كانت تحاول أن تعيش طفولتها وتواصل تعليمها إلى جانب أقرانها.

لا تقدم مريم هذه السنوات بوصفها تجربة سهلة. تقول إنها كانت “مؤلمة ومو سهلة أبدا”، وهي عبارة تختصر جانبا من التحدي الذي رافقها منذ سن مبكرة. فالمرض لم يكن عارضا انتهى بعد فترة علاج، بل ظرفا مستمرا احتاج منها إلى التكيف معه مرة بعد أخرى.

ومع ذلك، لم ترغب في أن تكون مواعيد العلاج وحدها ما يحدد شكل أيامها. بحثت عن اهتمامات تمنحها شيئا تنشغل به وتستطيع تطويره، فوجدت في الفن والقراءة والكتابة مساحة تخصها، حتى في الأوقات التي لم تكن تملك فيها حرية الخروج من المستشفى.

في المستشفى بدأت الحكاية الفنية

شكّل عام 2018 محطة مهمة في حياة مريم. فقد قضت فترة طويلة داخل المستشفى، وكان عليها أن تواجه، إلى جانب العلاج، امتداد الوقت ورتابة الأيام. بدأت حينها بالرسم والقراءة والكتابة، ومنحت هذه الهوايات اهتماما متزايدا بدلا من انتظار انتهاء فترة إقامتها هناك.

وتقول لـ”طريق 24″: “استثمرت وقتي في تنمية هواياتي الفنية مثل الرسم والقراءة والكتابة. لم أستسلم بل حولت الألم إلى مساحة للإبداع”.

لم يكن الرسم بالنسبة إليها مجرد وسيلة لإشغال اليدين خلال ساعات الفراغ. مع الوقت، أصبح طريقة للتعبير عن أفكارها ومشاعرها، واهتماما تعود إليه باستمرار. ومن داخل المستشفى، بدأت تتشكل علاقة بالفن ستأخذ لاحقا مكانا أساسيا في حياتها.

تكمن خصوصية هذه البداية في المكان الذي حدثت فيه. فمريم لم تدخل الرسم عبر فرصة تفرغت لها في ظروف مريحة، بل اكتشفته خلال فترة علاج طويلة. وبينما كان المرض يفرض عليها كثيرا مما لا تستطيع تغييره، بقي قرارها باستثمار وقتها وتنمية موهبتها أمرا تملكه هي.

45 لوحة بيعت في معرضها الأول

بعد أن تطورت علاقتها بالرسم، قررت مريم أن تعرض أعمالها أمام الجمهور. وفي عام 2020، أقامت معرضها الأول في كربلاء، وتمكنت خلاله من بيع أكثر من 45 لوحة.

مثّل المعرض انتقالا مهما من ممارسة الرسم لنفسها إلى مشاركة ما أنجزته مع الآخرين. فقد خرجت الأعمال التي بدأت بوصفها جزءا من أيامها الخاصة إلى مساحة عامة، والتقت بجمهور أبدى اهتماما بها واقتنى عددا كبيرا منها. بالنسبة إلى مريم، كانت تلك خطوة تؤكد أن ما بدأ خلال العلاج يمكن أن ينمو ويصبح مسارا تواصل العمل فيه.

ولم تكن مسيرتها الفنية تجري بمعزل عن تحد آخر، وهو الدراسة. فقد واصلت مريم تعليمها حتى أثناء وجودها في المستشفى، ثم تابعت مسيرتها بعد خروجها وحققت التفوق الدراسي. وهي ترى أن النجاح والتميز جاءا تعويضا عن سنوات التعب والمرض.

تُظهر هذه المحطة جانبا مهما من تجربتها، إذ كان عليها أن توزع جهدها بين التعامل مع وضعها الصحي، ومواصلة الدراسة، وتطوير اهتمامها بالفن. لم يكن تقدمها في أحد هذه المجالات يعني التخلي عن الآخر.

من تطوير موهبتها إلى تدريب الأطفال

ومع مرور الوقت، بدأت مريم تفكر في مشاركة ما تعلمته. وفي عام 2023، حصلت على شهادة TOT، ثم شرعت في تدريب الأطفال على الرسم. وهكذا انتقلت من فنانة تعمل على تطوير تجربتها الخاصة إلى مدربة تساعد أطفالا على الاقتراب من الفن واكتشاف مهاراتهم.

تواصلت دورات الرسم للعام الثاني، وصارت فرصة يجتمع فيها الأطفال ليتعلموا ويجربوا ويستخدموا خيالهم. ومن خلال هذه الدورات، اتسعت تجربة مريم، فلم تعد اللوحة التي تنجزها بنفسها هي محور عملها الوحيد، بل أصبحت تهتم أيضا بما يستطيع الأطفال إنجازه حين تتاح لهم فرصة التعلم والتعبير.

وفي عام 2024، خاضت تجربة مختلفة حين شاركت متحدثة في TEDx Baghdad. وقفت أمام جمهور لتروي جانبا من قصتها وما تعلمته من التحديات التي مرت بها. كان ذلك امتدادا آخر لرحلتها؛ فبعد أن عبّرت عن نفسها بالرسم، تحدثت عن تجربتها بصوتها أمام الآخرين.

اسم يحمل قصة شخصية

من بين أبرز محطات مريم إطلاق مشروع “شهيق الفن”. اختارت له اسما يرتبط مباشرة بتجربتها مع التنفس والأوكسجين، لكنه يعبر كذلك عن الغاية التي تريد تحقيقها من خلاله. أن يجد الأطفال مساحة لتفريغ طاقاتهم، وتطوير مهاراتهم الإبداعية، واكتشاف ما يمتلكونه من مواهب.

بهذا المعنى، لا ينفصل اسم المشروع عن صاحبة الفكرة. فالكلمة التي تستدعي جانبا شاقا من حياتها أصبحت عنوانا لنشاط يمنحها فرصة للعمل مع الأطفال ومشاركة خبرتها الفنية معهم.

وتقول مريم عن المشروع: “هنا مو بس نتعلم الرسم… هنا نزرع عزيمة وإصرار وأمل ما ينكسر بسهولة”.

لا تختزل قصة مريم في المرض، مثلما لا تختزل في النجاح الذي حققته بعده. إنها رحلة ما زالت تتعامل فيها مع تحدياتها الصحية، وفي الوقت نفسه تواصل الدراسة والفن وتدريب الأطفال. وما بدأ بمحاولة لاستثمار الوقت داخل المستشفى أصبح اليوم مشروعا يحمل اسم تجربتها، ويفتح مساحة للرسم أمام آخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى