
لم تبدأ قصة زهراء مع الزبادي اليوناني بحملة إعلانية واسعة أو خط إنتاج كبير. كانت البداية مشروعا صغيرا تشاركت العمل عليه مع زوجها، ثم حملت منتجه إلى زملائها في العمل. هناك، بعيدا عن حسابات التسويق وأرقام المتابعين، واجهت التجربة اختبارها الأول، حين تذوق الآخرون ما صنعاه وأبدوا رأيهم فيه.
ذلك الاستحسان منح الفكرة دفعة للاستمرار. فالمنتج الذي بدأ ضمن نطاق محدود صار، في نظر صاحبيه، فرصة لمشروع محلي يمكن أن يجد مكانه في السوق العراقية، عبر تقديم زبادي يعتمد على التخمير الطبيعي ومكونات بسيطة، من دون مضافات صناعية أو سكريات مكررة.
وفي حديثها لـ”طريق24″، تستعيد زهراء تلك الخطوة الأولى، موضحة أن تشجيع زملائها دفعها إلى توسيع التجربة. لم يكن الإقبال الأول دليلا على اكتمال المشروع، لكنه كان إشارة إلى وجود من يرغب بتجربة منتج مختلف، وإلى أن الفكرة تستحق مزيدا من الدراسة والعمل.

المذاق بداية الطريق
بين إعداد منتج يلقى إعجاب مجموعة من المعارف وتحويله إلى سلعة يمكن بيعها بصورة مستمرة، تبدأ أسئلة الإنتاج الحقيقية. فنجاح التجربة الأولى يحتاج إلى أن يتكرر، وأن يجد الزبون في كل مرة المذاق والقوام اللذين شجعاه على الشراء.
وتقول زهراء إن العمل على المنتج تطلب دراسة طريقة تخمير الزبادي بعناية، وإنها وزوجها استوردا بكتيريا نافعة من لندن لاستخدامها في التصنيع، سعيا إلى ضمان الجودة.
وتوضح أن عملية التخمير تعتمد على نوعين من البكتيريا، وأن المنتج يتميز بمذاق حامضي وقوام كريمي طبيعي، من دون محليات أو مواد مثخنة. وبحسب المعلومات التي تقدمها عن منتجها، يحتوي الزبادي على بكتيريا حية نافعة وما لا يقل عن ثمانية غرامات من البروتين لكل مئة غرام.
هذه التفاصيل تمثل، بالنسبة إلى المشروع، أساسا لهويته التجارية. فالمنافسة لا تقوم على تقديم عبوة أخرى من الزبادي فحسب، وإنما على إقناع المستهلك بأن وراءها طريقة إنتاج وخصائص تستحق التجربة والعودة إليها.

منتج محلي بمعرفة تتجاوز الحدود
استيراد مكون يستخدم في التخمير لا يلغي الطابع المحلي للمشروع، بل يكشف جانبا من رحلة الصناعات الغذائية الصغيرة، التي يمكن أن تجمع بين معرفة أو مستلزمات تأتي من الخارج، والعمل والإنتاج والتسويق داخل العراق.
وفي تجربة زهراء وزوجها، تتصل الخطوة الصناعية بالخطوة التجارية مباشرة. فما يجري أثناء التخمير ينعكس على مذاق المنتج وقوامه، وما يختبره الزبون يحدد فرص انتشاره. وبين الجانبين، يحاول المشروع بناء اسم يستطيع المنافسة اعتمادا على الجودة التي يعد بها.
وتحرص زهراء على تقديم المنتج بنكهات وإضافات متنوعة تشمل الفواكه والمكسرات والجرانولا، بما يتيح خيارات مختلفة للزبائن مع الحفاظ، بحسب وصفها، على طبيعة الزبادي الأساسية.
الطريق إلى المحافظات
لكن الوصول إلى المستهلك لا ينتهي عند إعداد المنتج. أحد أبرز التحديات، كما تقول زهراء، كان إيصال الزبادي إلى المحافظات مع الحفاظ على جودته.
هنا تظهر صعوبة التوسع في مشروع غذائي قصير الصلاحية. فالطلب من محافظة أخرى فرصة تجارية، لكنه يضع أمام المنتج مسؤولية إضافية تتعلق بالحفظ ووقت النقل وظروف التسليم. وكلما اتسعت دائرة الزبائن، أصبح تنظيم هذه التفاصيل أكثر أهمية لاستمرار التجربة.
وتربط زهراء قصر مدة صلاحية منتجها بطبيعة البكتيريا المستخدمة في تصنيعه. وبالنسبة إلى المشروع، تفرض هذه المدة تعاملا دقيقا مع الإنتاج والتوصيل، حتى يصل الزبادي إلى المشتري بالجودة التي يسعى صاحبا المشروع إلى تقديمها.
وهذا التحدي يسلط الضوء على احتياجات المشاريع الغذائية المحلية؛ فالإنتاج الجيد يحتاج إلى خدمات نقل وحفظ مناسبة، والتوسع التجاري يحتاج إلى أن تسير هذه الخدمات بالسرعة نفسها التي يتحرك بها الطلب.

آلاف المتابعين.. والاختبار مستمر
في أقل من شهر، تمكن المشروع، بحسب زهراء، من جذب آلاف المتابعين عبر منصات التواصل الاجتماعي، بدعم من مشاهير أشادوا بمذاق المنتج وجودته.
انتقلت الفكرة بذلك من دائرة زملاء العمل إلى جمهور أوسع. وأصبحت المنصات نافذة تعرف الناس بالمشروع وتمنحه فرصة للوصول، من دون انتظار حضور في منافذ بيع كبيرة.
غير أن المتابعة تمثل بداية العلاقة مع الزبون. أما استمرارها فيعتمد على تجربة الشراء وجودة المنتج ووصوله بحالة جيدة، وهي التفاصيل التي تحول الاهتمام العابر إلى ثقة بمشروع محلي.
قصة زهراء وزوجها تقدم نموذجا لمحاولة بناء نشاط إنتاجي وتجاري من فكرة محددة، تبدأ بمنتج واحد ثم تبحث عن سوقه. وهي تذكر بأن المشاريع المحلية تنمو حين تلتقي مهارة التصنيع بحسن إدارة البيع والتوصيل، وحين يجد أصحابها من يمنح التجربة الأولى فرصة.
وبعد كل تلك الجهود، قطع المشروع خطوته الأولى نحو السوق. وما تسعى إليه زهراء الآن هو أن يتحول ذلك الاهتمام إلى حضور مستمر لمنتج يصنع محليا، وأن تجد تجربتها مكانا على مائدة المستهلك العراقي، وثقة تدفعه إلى اختياره مرة أخرى.



