
ما ينتهي في حاوية النفايات يمكن أن تبدأ منه حكاية أخرى. فالمخلفات العضوية التي يجري التخلص منها قد تعود إلى الأرض سمادا يغذيها، ويمنح ما تنبته فرصة أفضل للنمو. من هذه الفكرة، تعمل المهندسة العراقية مروة أديب على تطوير مشروع “دويرة”، لتثبت أن بعض ما نعده عبئا يستحق أن ننظر إليه بوصفه موردا.
تستخدم أديب الديدان لتحويل المخلفات العضوية إلى سماد طبيعي، في تجربة تجمع بين معالجة النفايات وتحسين التربة، وتطمح إلى بناء نشاط إنتاجي قابل للتوسع وتوفير فرص عمل للشباب والخريجين.
وفي حديثها إلى “طريق 24″، تروي أديب ملامح التقدم الذي حققه مشروعها خلال الفترة الماضية؛ فقد ازدادت أعداد الديدان المستخدمة في الإنتاج، وتحسنت جودة السماد، وأصبح المنتج يعبأ في أكياس تسهل تسويقه وتداوله. خطوات تبدو بسيطة، لكنها تمثل انتقالا مهما من تطوير الفكرة إلى إعداد منتج يمكن أن يجد طريقه إلى الاستخدام.

دورة جديدة لما نتخلص منه
في “دويرة”، لا تمثل المخلفات العضوية نهاية الاستفادة من المادة، بل بداية دورة جديدة لها. تتولى الديدان تحويلها إلى سماد، ثم يعود هذا السماد إلى التربة، لتستعيد عبره جزءا مما تحتاج إليه من عناصر تدعم خصوبتها.
وتكمن أهمية التجربة في الربط بين حاجتين: تقليل المخلفات التي يجري التخلص منها، وتوفير منتج نافع للزراعة. وبهذا المعنى، تحاول أديب أن تمنح النفايات قيمة تتجاوز كلفة جمعها ونقلها، وأن تفتح أمامها طريقا آخر ينتهي في الأرض بدلا من أن يتوقف عند الحاوية.
وتقول إن المشروع حظي بدعم من دوائر البيئة والزراعة والبلدية، وهو ما تعده مؤشرا إلى أهمية فكرته وإمكانية توسيعها. لكن هذا الإسناد، على أهميته، لم ينه الحاجة إلى إمكانات أكبر تساعد المشروع على زيادة إنتاجه واستيعاب كميات إضافية من المخلفات.
من أكياس السماد إلى مشروع أوسع
بعد تحسين المنتج وتعبئته، تتجه أنظار أديب إلى المرحلة المقبلة. تريد زيادة القدرة الإنتاجية لـ”دويرة”، وتحويل كميات أكبر من النفايات العضوية إلى سماد عالي الجودة، مع إدخال تقنيات حديثة ومعدات تساعد على تسريع العمل ورفع كفاءته.
غير أن المسافة بين ما تحقق وما تطمح إليه ترتبط باحتياجات عملية واضحة؛ أبرزها مساحة عمل أكبر وإمكانات فنية تتيح تطوير الإنتاج. فالتوسع لا يتحقق بزيادة المخلفات التي يستقبلها المشروع وحدها، بل بتوفير القدرة على معالجتها والحفاظ على جودة المنتج النهائي.
وهنا يبرز التحدي الذي يواجه تجربتها: كيف يتحول التقدم الذي أحرزته إلى نمو مستمر؟ وكيف تحصل الفكرة البيئية على الأدوات التي تجعل أثرها أوسع من حدود مشروع صغير؟

ما الذي يعود إلى التربة؟
توضح المهندسة أديب أن فائدة “دويرة” لا تقتصر على تقليل النفايات، بل تشمل إنتاج سماد يسهم في تحسين خصوبة التربة ودعم نمو المحاصيل. وتشير إلى فوائد يمكن أن يتيحها استخدامه، من بينها تحسين كفاءة استخدام المياه وتقليل الحاجة إلى المبيدات وتعزيز قدرة النباتات على مقاومة الآفات.
وترى أن التوسع في الأسمدة العضوية يفتح مجالا لممارسات زراعية أكثر استدامة، ويمنح الموارد المتاحة فرصة أفضل للاستخدام، مع الحد من الاعتماد على المدخلات الكيميائية.
وبالنسبة إليها، فإن القيمة الاقتصادية للمشروع تنبع من هذه الصلة بين المخلفات والزراعة؛ فالمادة التي كان يجري التخلص منها تصبح منتجا مطلوبا، ويمكن للعمل على جمعها ومعالجتها وإنتاج السماد وتسويقه أن يفتح مجالات جديدة للنشاط والعمل مع توسع التجربة.
طموح يحتاج إلى أدوات
ورغم ما تحقق، لا تقدم أديب مشروعها بوصفه تجربة اكتملت. فما زالت المعدات والمساحة المناسبة والدعم الفني احتياجات أساسية لتطويره، وزيادة مساهمته في معالجة النفايات وتحسين التربة.
وتؤكد أن دعم المشاريع البيئية يمكن أن يتجاوز نتائجها المباشرة، ليشمل توفير فرص للشباب والخريجين، وإشراكهم في أنشطة إنتاجية تستثمر الموارد المحلية وتمنحها قيمة جديدة.
في حكاية “دويرة”، تبدأ الفكرة بتغيير النظرة إلى شيء اعتدنا التخلص منه. أما استمرارها فيحتاج إلى ما هو أكثر من الإعجاب بها: مساحة تتسع للعمل، ومعدات تسانده، ودعم يساعد صاحبته على تحويل طموحها إلى إنتاج.




