
أكثر من ستة ملايين أمي في العراق، بحسب أرقام أعلنتها وزارة التربية استنادا إلى نتائج التعداد السكاني، لكن إعلان حجم المشكلة لم يرافقه توضيح لحصيلة برامج محو الأمية أو ما تعتزم الوزارة تغييره لمعالجتها. فإعلان الأرقام المستمدة من نتائج التعداد السكاني يصف حجم الأزمة، لكنه لا يجيب عن أسباب استمرارها وهو ليس امتياز لوزارة التربية، ولا يوضح ما الذي ستغيّره في إجراءاتها لمعالجتها.
وقال المتحدث باسم الوزارة كريم السيد أن نسبة الأمية تبلغ 15.3 بالمئة، بما يتجاوز ستة ملايين شخص. وللتوسع في ما وراء هذه الأرقام، وجّهت “طريق 24” إليه أسئلة بشأن الفجوة بين جهود محو الأمية وحجم المشكلة، ومدى تناسب قدرة المراكز الحالية مع أعداد الأميين، والنتائج التي حققتها الوزارة خلال السنوات الأخيرة ومعايير قياس نجاح برامجها.
وشملت الأسئلة التسهيلات المقدمة لمن تعوقهم ظروف العمل والفقر والالتزامات الأسرية عن التعلم، ومدى مشاركة جهات أخرى في تحمل المسؤولية. إلا أن “طريق 24” لم تتلقَّ إجابات عن هذه الأسئلة حتى إعداد التقرير، لتبقى حصيلة البرامج وخطط معالجة أسباب الأمية خارج التوضيح الذي طلبته من الوزارة.
مسؤولية لا تنتهي عند إعلان النسبة
ويقول الخبير التربوي مالك ثوني، في حديث مطول لـ”طريق 24″، إن وجود أكثر من ستة ملايين أمي “لا ينبغي قراءته بوصفه رقما تعليميا فقط، وإنما بوصفه رصيدا متراكما لفشل طويل في حماية الحق في التعليم”.
لكنه يشدد على أن الإنصاف يقتضي عدم تحميل وزارة التربية الحالية وحدها مسؤولية هذا الرصيد كله، لأن جزءا كبيرا منه هو نتاج عقود من الحروب والنزوح والفقر وتراجع البنية التحتية والانقطاع عن الدراسة.
ويرى أن المساءلة الأدق تبدأ من سؤالين مختلفين: “كم من الأمية ورثت الوزارة؟ وكم من الأمية ما زال النظام التعليمي ينتجها اليوم؟”.
ويحدد ثوني المسؤولية المباشرة للوزارة في مسارين، أولهما وقف إنتاج أميين جدد، موضحا أن بلوغ الطفل سن الدراسة من دون الالتحاق بها، أو التحاقه ثم تسربه، أو إكماله سنوات دراسية من دون امتلاك الحد الأدنى من القراءة والكتابة والحساب، لا يعكس مشكلة محو أمية للكبار فقط، بل يكشف خللا في خط الانتاج التعليمي نفسه.
ويشير إلى أن الاستراتيجية الوطنية للتربية والتعليم 2022–2031 تعترف بهذا التشخيص، إذ حددت زيادة الالتحاق والاستبقاء، وخفض الرسوب والتسرب، والتعليم المسرع، وتعليم اليافعين، والمدارس المسائية وبرامج محو الأمية ضمن أولويات الإصلاح. كما تتضمن بياناتها التشخيصية مشكلات تتعلق بإكمال الدراسة والتسرب والأطفال خارج المدرسة.
أما المسار الثاني، بحسب ثوني، فهو معالجة الرصيد القديم من الأمية، حيث تصبح المسؤولية أكثر مباشرة، في ظل وجود قانون محو الأمية رقم 23 لسنة 2011، وجهاز تنفيذي ومراكز وبرامج بدأت منذ عام 2012.
وأضاف أن المشكلة لم تعد غياب قانون أو مؤسسة، وإنما أصبحت تتعلق بأسباب عدم تحول الأدوات المتاحة، خلال أكثر من عقد، إلى انخفاض أسرع ومستدام في حجم الأمية، مشيرا إلى أن وزارة التخطيط وثقت منذ عام 2012 إنشاء هذه المنظومة والتمويل المخصص لها.
وهنا يتجاوز السؤال الموجّه إلى الوزارة عن عدد المراكز التي تفتحها إلى ما تحققه هذه المراكز فعليا؛ فوجود الأدوات المؤسسية، وفق ما عرضه ثوني، يجعل نتائج استخدامها موضع المساءلة.
معالجة نهاية المشكلة وترك بدايتها
ويقول ثوني إن الرقم لا يشير فقط إلى عدم كفاية برامج محو الأمية، بل قد يعني أيضا أن السياسة التعليمية تعالج نهاية المشكلة أكثر مما تعالج بدايتها.
وأضاف: “إذا فتحت الدولة ألف مركز لمحو الأمية، لكنها في الوقت نفسه فقدت جيلا جديدا بسبب التسرب والفقر وبُعد المدارس والدوام المتعدد، فإنها تكون كمن يفرغ الماء من سفينة من دون أن يغلق الثقب”.
ولذلك، يرى أن المساءلة ينبغي ألا تقتصر على السؤال عن أسباب وجود ستة ملايين أمي، بل أن تشمل أيضا عدد الأميين الجدد الذين أضافهم النظام التعليمي خلال السنوات الخمس الماضية.
وعن المطلوب من الوزارة، قال ثوني إنه لا يطالب بحملة جديدة أو بعدد جديد من مراكز محو الأمية، لأن العراق لديه حملات ومراكز وقانون منذ سنوات، وإنما بما وصفه بـ”عقد نتائج وطني لمحو الأمية 2026–2029″، خصوصا أن الوزارة أعلنت بالفعل برنامجا لهذه السنوات، بحسب قوله.
واقترح أن يكون الحكم على أداء الوزارة من خلال سبعة مؤشرات، بدلا من الاكتفاء بعدد الأنشطة وهي كالتالي:

كيف تعمل المراكز وتبقى الملايين خارج التعلم؟
ويفسّر ثوني استمرار الأمية رغم وجود البرامج من خلال معادلة تربط رصيد الأمية في نهاية السنة برصيدها في بدايتها، مضافا إليه الداخلون الجدد، ومطروحا منه الذين خرجوا منها فعليا.
وبطريقة المعادلات تكون كالتالي:
رصيد الأمية في نهاية السنة = رصيد الأمية في بدايتها + الداخلون الجدد إلى الأمية – الذين خرجوا منها فعليا.
ويضرب مثالا افتراضيا بتعليم 300 ألف بالغ، مقابل خروج 250 ألف طفل أو يافع من التعليم دون امتلاك المهارات الأساسية، ليكون الإنجاز الصافي في هذه الحالة 50 ألفا فقط.
ويضيف أن النمو السكاني والعودة إلى الأمية بسبب عدم ممارسة القراءة والكتابة قد يجعلان المراكز تعمل بكامل طاقتها، من دون أن يتغير المؤشر الوطني كثيرا.
ويرى أن الحلقة المفقودة تتمثل في غياب إدارة “التدفق”، وليس فقط إدارة “الرصيد”، موضحا أن برامج محو الأمية التقليدية تركز عادة على الشخص بعدما أصبح أميا، بينما تمنع السياسة الناجحة وصوله إلى هذه المرحلة أصلا.
ويشير إلى حلقة مفقودة أخرى، هي أن البرنامج قد يكون تعليميا، في حين تكون أسباب الأمية اقتصادية واجتماعية. فالرجل الذي يعمل يوميا لإعالة أسرته لن يلتحق بمركز مسائي لمجرد افتتاحه، والمرأة الريفية التي تعوقها المواصلات أو مسؤوليات الأسرة لن تدخل البرنامج لمجرد توفير كتاب ومدرس.
ولذلك يدعو إلى تحويل محو الأمية من “صف دراسي للكبار” إلى “حزمة تمكين اجتماعي واقتصادي”، من خلال إقرانه بالمهارات المهنية والخدمات الرقمية والتثقيف المالي، وربطه ببرامج التشغيل والحماية الاجتماعية، مع توفير مرونة في الوقت والمكان، ونقل مناسب في المناطق الريفية، وبرامج خاصة بالنساء.
ويثير ثوني بُعدا آخر وصفه بأنه أشد خطورة، يتمثل في “أمية من دخل المدرسة”، وليس فقط “أمية من لم يدخل المدرسة”، داعيا إلى الانتقال من النظر إلى الأمية الأبجدية إلى الأمية الوظيفية.
ويوضح أن الشخص قد يحمل شهادة ابتدائية أو متوسطة، لكنه لا يستطيع قراءة نص وفهمه، أو إجراء عملية حسابية أساسية، أو التعامل مع نموذج حكومي رقمي، مؤكدا أنه إذا كانت هذه الظاهرة واسعة، فإن رقم الستة ملايين لا يعكس الحجم الكامل للمشكلة.
إعلان الأرقام لا يحصّن التربية من المحاسبة
ولا يمنح إعلان أرقام الأمية وزارة التربية براءة من مسؤوليتها، ولا يحوّل كشف حجم الأمية إلى إنجاز في مكافحتها. فالوزارة مسؤولة عن ضمان التعليم ومعالجة الحرمان منه، ومقياس نجاحها هو عدد الذين أخرجتهم فعليا من الأمية، وقدرتها على منع التحاق أجيال جديدة بها. أما إعلان وجود أكثر من ستة ملايين أمي، من دون تقديم حصيلة واضحة للبرامج وشرح أوجه قصورها، فيضع أداءها تحت المساءلة مهما بلغت دقة الأرقام التي تنقلها.
وبعد سنوات من وجود القانون والمراكز والبرامج، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: ماذا حققت هذه المنظومة؟ وكم شخصا اكتسب مهارات القراءة والكتابة واحتفظ بها؟ وما الذي أخفقت الوزارة في معالجته حتى بقيت المشكلة بهذا الحجم؟ لا تكفي أسماء الحملات وأعداد المراكز للإجابة، فهذه أدوات للعمل وليست دليلا على نجاحه.
ومن حق المجتمع أن يعرف أين نجحت البرامج وأين فشلت، ومن يتحمل مسؤولية القصور، وما الإجراءات التي ستتغير بناءً على ذلك.
ولا تتحمل الوزارة الحالية وحدها تراكمات عقود من الحروب والفقر والتسرب، لكن هذا الإرث لا يصلح ذريعة دائمة لتعليق المحاسبة. مسؤوليتها قائمة عن أدائها اليوم، وعن حماية الأطفال من الانقطاع عن التعليم، وعن تقديم نتائج قابلة للتحقق. فالإخفاق في ضمان حق الملايين بالتعلم لا يصبح أقل فداحة لمجرد إدراجه في بيان أو إعلان رسمي.



