
لم تكن أصعب المواقف التي واجهتها إزهار العزاوي كلمات التنمر التي سمعتها على مدار سنوات، ولا النظرات التي اختزلتها في قصر قامتها، بل تلك اللحظات التي كان فيها الآخرون يحاولون احترامها بطريقة تُشعرها باختلافها. وبينما كان البعض يجلس أثناء التقاط الصور معها في حفلات التكريم، كانت هي تتمنى شيئا أبسط بكثير؛ أن تُعامل كما يُعامل أي شخص آخر. ومن هذه التفاصيل الصغيرة، بدأت رحلة امرأة قررت أن تحوّل التجارب القاسية إلى عمل تطوعي، ثم إلى رسالة صحفية تدافع من خلالها عن حقوق النساء ذوات الإعاقة.
العمل التطوعي وبداية تغيير الصورة النمطية
وجدت إزهار في العمل التطوعي المساحة التي استطاعت من خلالها ترجمة قناعاتها إلى أفعال. فانضمت إلى منظمات مجتمع مدني محلية ودولية، وشاركت في برامج تدريبية وورش عمل وأنشطة متعددة داخل محافظة ديالى وخارجها، لتصبح جزءا من مبادرات تهدف إلى تعزيز المشاركة المجتمعية والدفاع عن حقوق الفئات الأكثر هشاشة.
ومع اتساع دائرة مشاركاتها، بدأت تلاحظ تغيرا تدريجيا في طريقة تعامل الآخرين مع الأشخاص ذوي الإعاقة، ولا سيما قصار القامة. فالحضور المستمر في الأنشطة والفعاليات، والمشاركة في المبادرات المجتمعية، أسهما في كسر بعض الصور النمطية التي طالما ربطت الإعاقة بالعجز أو محدودية القدرة على الإنجاز.
ورغم أن هذا التغيير لم يكن سريعا أو شاملا، فإنها كانت ترى في كل مشاركة ناجحة خطوة إضافية نحو مجتمع أكثر تقبلا. بالنسبة لها، لم تكن الرسالة تقتصر على الدفاع عن حقوقها الشخصية، بل كانت محاولة لإثبات أن كثيرا من الأشخاص ذوي الإعاقة يمتلكون الكفاءة نفسها، ويحتاجون فقط إلى فرصة عادلة لإظهار إمكاناتهم، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو النظرة القائمة على الشفقة.
حين أصبح التكريم موقفا محرجا
ومع اتساع حضورها في العمل التطوعي، بدأت إزهار تتلقى دعوات للمشاركة في المؤتمرات والندوات وحفلات التكريم. كانت تلك المناسبات تمثل اعترافا بجهودها، لكنها في الوقت نفسه كانت تكشف أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع الاختلاف الجسدي بطريقة يغلب عليها الحرج أو الشفقة، حتى وإن كانت نواياهم حسنة.
تروي إزهار أن مشهدا كان يتكرر في أكثر من مناسبة، فعند صعودها إلى منصة التكريم أو الوقوف لالتقاط صورة تذكارية، كان بعض الحاضرين يجلسون إلى جانبها، معتقدين أن ذلك يعبر عن الاحترام أو يراعي قصر قامتها. لم تكن تشكك في حسن نياتهم، لكنها كانت تشعر بأن هذا السلوك يسلط الضوء على اختلافها أكثر مما يحتفي بإنجازها.
وتقول إن ما كانت تتمناه في تلك اللحظات هو أن يعاملها الجميع بصورة طبيعية، كما يعاملون أي شخص آخر يقف إلى جانبهم. فبالنسبة لها، لا يُقاس الاحترام بطريقة الوقوف أو الجلوس، بل بالاعتراف بما حققه الإنسان من عمل وجهد، بعيدا عن شكله أو صفاته الجسدية. ومن هذه التفاصيل اليومية، كانت تكتشف أن الطريق نحو تغيير نظرة المجتمع لا يقتصر على سنّ القوانين أو تنظيم الحملات، بل يبدأ أيضا بتغيير السلوكيات البسيطة التي قد تبدو عفوية، لكنها تترك أثرا عميقا في نفوس أصحابها.

الصحافة هي الهدف والطموح
وبعد سنوات من العمل التطوعي، أدركت إزهار أن النشاط الميداني وحده لا يكفي لإيصال أصوات كثير من النساء ذوات الإعاقة. فقد كانت تلتقي يوميا بقصص تتشابه في تفاصيلها؛ نساء يواجهن تحديات في الدراسة والعمل والاندماج المجتمعي، لكنهن في المقابل يحققن نجاحات لا تجد طريقها إلى وسائل الإعلام.
من هنا، جاء قرارها بدخول عالم الصحافة، لا بوصفه تحولا مهنيا فحسب، بل امتدادا لرسالتها في الدفاع عن الحقوق. اختارت أن تجعل الكلمة وسيلتها الجديدة، وأن تستخدم التقارير والقصص الصحفية لإظهار واقع النساء ذوات الإعاقة، بعيدا عن الصور النمطية التي تختزل حياتهن في المعاناة فقط.
ولتحويل هذه الفكرة إلى مشروع عملي، أسست منصة “تضامن” الإعلامية، وهي مبادرة متخصصة بقضايا النساء ذوات الإعاقة، تعمل على نشر قصص النجاح، ورصد التحديات، وإنتاج مواد إعلامية تسلط الضوء على حقهن في المشاركة والاندماج داخل المجتمع. وبالنسبة لإزهار، لم تعد الصحافة مجرد مهنة، بل مساحة للدفاع عن قضايا تؤمن بها، وإيمان بأن الكلمة الصادقة قادرة على دفع المجتمع نحو مزيد من الوعي والإنصاف.
وفي نهاية رحلتها، تختصر إزهار رسالتها في فكرة واحدة ترى أنها تستحق أن تصل إلى الجميع: أن قيمة الإنسان لا تُقاس بطول قامته أو شكل جسده، بل بما يحمله من علم وأخلاق، وبما يقدمه من أثر في حياة الآخرين. إنها رسالة تقول إن الاختلاف لا ينبغي أن يكون سببا للتنمر أو التقليل من الشأن، بل حافزا لبناء مجتمع يمنح جميع أفراده فرصا متساوية لإثبات قدراتهم وتحقيق أحلامهم.




