العراقسياسةمحليات

“اسأل عن امك”.. كيف تحولت بيوت العراقيين وأعراضهم إلى وقود في معارك السياسة؟

ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالمقطع المصور الذي نشره جاسم العوادي، والذي قال فيه: “من لا يشارك في تشييع خامنئي، فليسأل عن والدته”، ما أثار موجة واسعة من ردود الفعل والانتقادات ضد الممارسات التي تقوم جهات متنفذة من خلال اعلامييها ومدونيها ضد من يخالفهم الرأي. ومقابل هذا الخطاب العدائي، دعا ناشطون و حقوقيين إلى اتخاذ إجراءات قانونية بحق العوادي، باعتبار أن التصريح يتضمن إساءة تمس الكرامة الشخصية.

وأعاد الجدل الذي أثاره المقطع قضية الطعن بالأعراض والأنساب في الخلافات السياسية، وهي ظاهرة باتت تتكرر على منصات التواصل الاجتماعي، وسط تحذيرات من انعكاساتها على السلم المجتمعي، والدعوة إلى تطبيق القانون على كل من يلجأ إلى خطاب الكراهية أو التشهير أو الإساءة الشخصية، وبعيداً عن الانتقائية في المحاسبة.

خطاب الانقسام

ويرى الأمين العام لحزب البيت الوطني حسين الغرابي أن الطبقة السياسية الحاكمة عملت طوال السنوات الماضية على خلق التفرقة بين فئات المجتمع العراقي، معتبرا أن ذلك انعكس بوضوح في أدائها السياسي.

ويقول الغرابي لـ”طريق24″، إن هذه القوى “اشتغلت على الطائفية والمناطقية، ثم عملت على التقسيم حتى داخل الطائفة الواحدة على أساس المرجعيات الدينية وغيرها، إلى أن وصل الأمر بهم في انتفاضة تشرين، أن يخلقوا جانبين أو معسكرين من أبناء الشعب العراقي ويعززوا هذه التفرقة”.

ويضيف قائلا: أن خطابات التحريض والانتقاص من العراقيين وخطابات الكراهية التي يطلقها بعض المدونين تحظى، بحسب رأيه، بدعم مباشر من بعض القوى السياسية المسيطرة منذ سنوات، موضحاً أن هؤلاء “لديهم غطاء سياسي وأمني، وهم محميون ولا يخضعون إلى عقوبات حكومية واضحة، على عكس ما يصدر من بعض الناس العاديين، فعندما يرتكب أحدهم خطأ في التعبير أو غيره، يُحال إلى ما يعرف بالمحتوى الهابط”.

ويؤكد الغرابي أن هذا النهج أسهم في تعميق الانقسام داخل المجتمع، مشيراً إلى أن كثيراً من المدونين المحسوبين على الأحزاب السياسية، إن لم يكن جميعهم، ينتهجون أسلوب مهاجمة أعراض العراقيين والطعن فيهم بدلاً من مناقشة الأفكار.

ويقول: “نحن في النهاية أبناء آبائنا وأمهاتنا، وهذا أمر معيب ويمثل نقصاً أخلاقياً كبيراً”، مبيناً أن هذه الخطابات تؤثر سلباً في المجتمع. ويشدد على أن الخلاف السياسي يجب أن يبقى محصوراً في مناقشة الأفكار والبرامج والمواقف، لا أن يتحول إلى مساس بالكرامة الشخصية أو الأعراض، داعياً إلى تطبيق القانون ومعاقبة كل من يسيء إلى أبناء الشعب العراقي أو يطعن في أعراضهم وأنسابهم.

تهديد للسلم المجتمعي

من جانبه، يرى الناشط المدني علي مفتن أن ما تشهده الساحة من حملات للشتائم والطعن بالأعراض والتخوين بحق كل من يختلف سياسيا، يمثل سلوكا مرفوضا أخلاقيا وقانونيا، لأنه يهدد السلم المجتمعي ويحّول الخلاف في الرأي إلى اعتداء على كرامة الإنسان.

ويؤكد مفتن لـ”طريق24″، أن حرية التعبير حق دستوري، لكنها لا تعني الإساءة أو التشهير أو التحريض أو المساس بسمعة الآخرين، مشيرا إلى أن من يمتلك اعتراضا أو اتهاما تجاه أي شخص، فإن الطريق الصحيح هو اللجوء إلى القضاء، وليس استخدام منصات التواصل الاجتماعي لتصفية الخلافات.

ويعزو مفتن انتشار هذه الظاهرة إلى عدة أسباب، من بينها العجز عن مواجهة الرأي بالحجة، وتحول النقاش من نقد المواقف إلى استهداف الأشخاص وسمعتهم، فضلا عن الاستقطاب السياسي والطائفي، والرغبة في التشويه والإسكات، وثقافة الإفلات من العقاب، إلى جانب طبيعة منصات التواصل الاجتماعي التي تمنح المحتوى الاستفزازي انتشارا أوسع.

ويضيف أن التصريحات التي تتضمن إساءة أو تحريضا أو ازدراء لفئة من المواطنين بسبب انتماءاتهم أو قناعاتهم تستوجب وقفة قانونية جادة، داعيا الجهات القضائية المختصة إلى النظر فيها وفق القانون، بعيدا عن الانتقائية أو الضغوط أو ردود الأفعال.

القانون يحدد الحدود

ومن جانبه، يؤكد المحامي والناشط في مجال حقوق الإنسان علي محمود أن ظاهرة الطعن بالأعراض لا يمكن تبريرها تحت أي عنوان، بما في ذلك حرية التعبير.

ويبين محمود أثناء حديثه مع “طريق24″، أن حرية الرأي والتعبير مكفولة، لكنها ليست حرية مطلقة، وإنما تقف عند حدود حقوق الآخرين وكرامتهم. ويشير إلى أن قانون العقوبات العراقي رقم (111) لسنة 1969 جرّم أفعال السب والقذف والإهانة، ونظم لها أحكاما وعقوبات، ولا سيما في المواد (433) الخاصة بالقذف، و(434) الخاصة بالسب، و(435) المتعلقة بالإهانة في بعض الحالات.

ويضيف أن هذه النصوص تؤكد أن المساس بسمعة الأشخاص أو شرفهم أو كرامتهم، سواء كان بالقول أو الكتابة أو النشر أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يشكل جريمة يعاقب عليها القانون متى توافرت أركانها.

ويختتم محمود بالقول إن الطعن بالأعراض يعد من أخطر صور الاعتداء على الكرامة الإنسانية، لأنه لا يستهدف الرأي أو الفكرة، وإنما يستهدف الشرف والسمعة، ويخلّف آثارا اجتماعية ونفسية قد تمتد إلى الأسرة والمجتمع بأكمله، الأمر الذي يستوجب تطبيق القانون على الجميع دون استثناء، وترسيخ ثقافة الحوار واحترام الاختلاف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى